مدخل
تمهيدي: جذور الموقف السّلبي من الإسلام والثقافة
الإسلامية ورموزها في تونس.
إنّ الحديث عن
الشأن الدِّيني في تونس المعاصرة هو الحديث عن التحديات الظاهرة والخفية التي
عاشتها مؤسسة الزيتونة "الجامع والجامعة" من الداخل ومن الخارج على حدّ
السّواء. ولا يمكن فهم هذا الصراع – الذي راوح بين الدِّيني والسّياسي والاِجتماعي
- إلاّ بالوقوف على أبرز محطاته التاريخية التي أفرزت هذا المشهد الديني– السياسي
الذي ظهر بعد اِندلاع أول شرارة في ثورات الرّبيع العربي بين 17 ديسمبر 2010م و14
جانفي 2011م.
إلاّ أنّ ما
حدث في تونس كان في ظاهره اِجتماعي-سياسي ولكن في باطنه وعمقه هو إفراز لتراكمات
سلسلةٍ من التحديات السياسية –الدينية (Défit politico-religieux) عاشها المجتمع التونسي منذ الاِحتلال الفرنسي لتونس سنة 1881م،
ثمّ تبلور بشكل جلّي سنة 1934م إثر القطيعة التي حدثت بين الحبيب بورقيبة
(1903-2000) ذي التكوين والتوجه العلماني وبين الزّعيم والمفكر الزيتوني السياسي
"عبد العزيز الثعالبي" (1874- 1944) مؤسّس أوّل حزب سياسي تونسي معاصر يطالب
صراحة باِستقلال تونس عن فرنسا، وهذا الأخير معروف بخياراته الإسلامية – العربية
التي عبّر عنها من خلال تأليفه العديدة ونشاطه السّياسي داخل وخارج تونس.
من يومها
اِنتقل الصّراع حول المسألة التونسية من صراع فرنسي– تونسي إلى تونسي–تونسي،
وبمعنى أوضح بين خيارين سياسيين – حضاريين هما: البديل الإسلامي والبديل
العلماني..
ومن ثمّة مهّدت
فرنسا بل هيّأت الطريق العلماني للتصدي أو بالأحرى للاِنتصار على الشق العربي – الإسلامي
الذي نعتته بمناسبة وبغير مناسبة بـ: "التيّار المحافظ والرِّجعي" وكذلك
"الظلامي"! وفي المقابل نُعت التيار العلماني المتأثّر بالخط العلماني
الفرنسي المعادي للدين – والذي يؤمن بوضوح وبقوّة بفصل الدين عن الدولة (مقارنة
بالتيار العلماني الأنجلو- سكسوني الذي يقرّ بقيمة بل بضرورة الحضور الديني في
الدولة والمجتمع) نُعِتَ بأنّه "تقدّمي وحداثي"..!
فالمعركة بين الاِختيارين برزت ملامحها منذ ثلاثينات
القرن العشرين، حيث لم يتوقّف الخطاب السياسي البورقيبي عن التهجّم على "الزيتونة"
وعلمائها، بل تعدّاه إلى مرحلة التّشكيك في قدرة الإسلام والفكر الإسلامي على
مجابهة قضايا العصر..
2- بورقيبة
والإسلام:
وصل العداء للدِّين
الإسلامي بشكل صريح وفاضح حين تمكّن بورقيبة من السلطة – إثر تصفية خصومه
السياسيين - ليقدّم مشروعه الحداثي "الذي هو نسخة مطابقة للطّرح العلماني
الفرنسي بل ربّما كان أكثر تطرّفا منه.. حيث أوضح وبكل إصرار في خُطب عديدة أنّ
"الحداثة" لن تتحقّق إلاّ بالقطيعة مع الموروث الحضاري العربي – الإسلامي،
بدليل أنّ دستور 1959 - الذي فرضه على الشّعب التونسي- قد أسِّس على القطيعة مع
الماضي رُغم ديباجته التي نصّت على أنّ الإسلام دين الدّولة وأنّ العربية لغة
البلاد: و قد اعتبر بورقيبة علماء الزيتونة "ممن خانوا القضايا الوطنية وأنّ
التّعليم الزيتوني كان محلّ ريبة وشك، وهذا نتيجة الاِرتياب في القائمين عليه،
وكان هذا التّعليم رجعيا - حسب عبارته - لا يضمن للمجتمع أيّ تقدّم، وأنّ اللغة العربية
ليست لغة علم..[1]
فدولة ما يسمّى
بـ"الاِستقلال" قد تجنّدت بكلّ ما أوتيت من قوّة ووسائل لمحو ما تبقى من
مخلفات المجتمع التّقليدي التونسي، بدءًا بإلغاء الأحباس بمختلف أنواعه (عام وخاص
ومشترك)[2]
تمهيدًا لغلق الجامعة الزيتونية وتهيئة الأرضية لفرض نظام تعليمي جديد يقطع تماما
مع الماضي الفكري والعقدي الإسلامي دون تقييم ولا تقويم، " وهو ما يفسّر تلقائيا
المسار الاِنقلابي (والتجديدي) لبناء مؤسسات الدّولة (الوطنية)، وكذا القرارات
الجريئة جدًّا والدقيقة التي تبنّاها بورقيبة بكلّ حِدّة وجرأة وقناعة فكرية
ثابتة.."[3] آمن بها
بورقيبة وسعى إلى تجسيمها بل فرضها بالقوّة على الشعب التونسي حينما تأتي الفرصة
المناسبة.
وبالفعل أدرك بورقيبة ضرورة فرض آرائه ورؤيته في
ما يسمّى بتحديث المجتمع التونسي التي خطّط لها من قبل أنْ يهيمن على السّلطة..
وذلك باِحتواء كلّ التيارات السياسية والفكرية حتّى يتسنّى له " تخطّي كلّ
العقبات الفكرية والحضارية والدينية وتجاوز السلوك والعقلية التقليدية.."[4].
والأخطر من ذلك
أنّ بورقيبة جنّد موالين لأفكاره قبل 1956 أيْ قبل ما يُعرف بالاِستقلال، وواصل
بعده مباشرة في إسكات كل المعارضين لسياسته العلمانية المتطرفة وعلى رأسهم
الإسلاميين والعروبيين.. واِستعمل كلّ الوسائل الممكنة لترهيب خصومه تارة بالتّهديد
وتارة بالتّصفية الجسدية[5].
لذا عمل حزبه المسمى بـ: "الحزب الاِشتراكي
الدستوري" على الهيمنة الكلية للحياة السياسية ومؤسّسات المجتمع المدني
من جمعيات ومنظمات وهياكل مهنية واِتحادات وجمعيات ثقافية وإعلامية المكتوبة..
بل وصل الأمر
ببورقيبة حد إنكار كل المساهمين في النضال الوطني - بما في ذلك اليساريين
والنقابيين والحركة الطلابية الزيتونية، ليختزل كفاح الشعب التونسي العربي المسلم
في شخصه ويرشّح نفسه "زعيما أوْحدَ" و"مجاهدا أكبر"
وينصّب نفسه "إمام الأُمّة" و"حكيمها" الملهم..". ولا يتمّحل
أنْ يذكر اِسم الباي أو شخصيات وطنية أو حزب أو هيئة سياسية أو دينية أو اِجتماعية
ناضلت وساهمت في حركة التحرير.. وهو ما أشار إليه وزيره الأوّل يومئذ "محمد
مزالي" في كتابه "رسالة مفتوحة إلى الحبيب بورقيبة"[6].
ولا شكّ
أنّ هذا التوجّه الهيمني والاِحتوائي اِنعكس مباشرة على الحياة الثقافية والفكرية
بشكل سلبي، حيث أقصى الكفاءات المنشّطة للعديد من الهياكل سواء كانوا من المؤسسين أو
المشرفين على مئات الجمعيات الثقافية في كامل تراب البلاد التونسية وفي كافة مدنها
وقراها.. ليتمّ تعويضهم بخريجي جامعة "الصوربون" من يساريين وليبراليين.
فكانت النتيجة
- كما قال الباحث والمؤرخ د. عبد الجليل التميمي - "هو البؤس الثقافي
والمعرفي والتحقيري الذي وصل إليه الزيتونيون في عهد الاِستقلال عندما أُغلقت في
وجوههم أبواب الجامعة التونسية للآداب.."، ممّا أفرز بدوره تضييقا كاملا على
حرية التّعبير، وولّد فقرًا وفراغا بيّنا على حركية المشهد الثقافي بعد 1956
مباشرة.. ورغم النّشاط الثّقافي الذي اِحتضنته السلطة الحاكمة فقد ظهر "قلق
شديد حول ظاهرة ضآلة الإبداعات في الحياة الثقافية التونسية"[7].
فهذا القمع
البورقيبي وهذه الغطرسة - في اِعتقادي- لم يشهد له العالم العربي مثيلا، بل أجزم
أنّ هذه السياسة المعادية للهوية العربية - الإسلامية للمجتمع التونسي الذي تماهى
معها بقناعة ووعي منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا- تجاوزت كل الحدود إلى أنْ وصلت إلى
حالة شاذة في العالمَين العربي والإسلامي إذا ما قورنت بالقيادات البعثية في العراق
وسوريا أوْ القيادة الناصرية الاِشتراكية في مصر أوْ القيادة الماركسية في اليمن..
والتي حاولت أنْ تُقدّم قراءة جديدة للتراث الديني والسياسي والمعرفي دون المساس
بثوابته أو مؤسساته التقليدية وذلك بالسّعي إلى تطويرها والنهوض بها.. ونفس المثال
الذي حدث مع اِشتراكية بومدين في الجزائر..والأمثلة على ذلك كثيرة داخل وخارج
الوطن العربي( اليابان،أندونيسيا).
فهؤلاء جميعا
لم يتخذوا قرارات أو تبنوا سياسات تنكّرت لهوية الشّعب أو حاولت تهميش أوْ طمس
معالم الإسلام وأسسه بنفس الدرجة التي قام بها النظام البورقيبي وسعيه بل إصراره
على اِقتلاع المكونات الحضارية للمجتمع التونسي.
وإذا علمنا أنّ
الاِستعمار الفرنسي والعقلية الفرنسية تعطي أهمية قصوى للجانب الثقافي والمعرفي
عموما أكثر من غيرها من العقليات الغربية وعلى رأسها الإنجليزية، وأنها حريصة على
إحداث تغيير أوْ بالأحرى اِجتثاث ثقافة وهوية المستعمَر ليَسْهُل اِنقياده ويكون
اِمتدادًا لمشاريعها على المدى البعيد ووكيلاً لها في مستعمراتها الحالية أوْ
السّابقة.. فإنّنا ندرك تمام الإدراك حرص فرنسا على اِحتضان نخبة من تلك البلدان
وتربيتها على الاِنبهار بالمثال الحضاري الغربي عموما والفرنسي بالخصوص، لتقوم
بالوكالة على اِجتثاث رموز الهوية الثقافية وتشويه ركائزها الحضارية وعلى رأسها
الدين الإسلامي الذي طبع هوية بلدان المغرب العربي من تونس إلى موريطانيا مرورًا
بالجزائر والمغرب.
والخطير في كل
هذا -كما أشرنا آنفا- أنّ فرنسا وجدت في شخصية بورقيبة المثال النموذجي التي تبحث
عنه الدولة الفرنسية لينجز ما عجزت فرنسا عن إنجازه أيام
الاستعمار المباشر[8].
لكن العامل
الاِستعماري الفرنسي للبلاد التونسية لا يُمكّننا من فهم هذا العداء البورقيبي
للإسلام والعروبة إلاّ بإضافة العامل النفسي أساسا: وهو شعور بورقيبة بمركب النقص
تجاه التقدم المادي للغرب، وأنّ سبب هيمنة هذا الشعور وظهوره بقوة ويسر في أمثال
هؤلاء هو التكوين الثقافي والمعرفي الذي تلقاه بورقيبة وأمثاله..
فمنذ أن بدأ
يعي بمحيطه الجغرا -سياسي لم يتربّى تربية أصيلة ومتينة تكسبه الحصانة مجابهة تحدي
المستعمِر (بكسر الميم) القوي عسكريا وحضاريا.. ليسقط في الاِنبهار بالآخر دون
الاِعتبار بأسباب قوته وحدودها وآثارها المدمّرة على الشخصية الحضارية للشعب
التونسي العربي - المسلم الذي تلقى هجوما شرِسًا على دينه ولغته واِختراقا فظيعا
لهويته تحوّل في العهد البورقيبي إلى فراغ روحي بعد تحويل الطقوس الدينية وفي
مناسبات معينة- إلى مشهد فلكلوري لمدة حوالي نصف قرن يقابله صمود لنخبة إسلامية
مناضلة حاولت بكل ما أوتيت من قوّة أنْ تشدّ من فرامل التيار العلماني المتطرف
بشقّيه البورقيبي واليساري، وتصنع التوازن في المشهد الديني التونسي إلى حدود
اِنقلاب السابع من نوفمبر 1987 من طرف العسكري "بن علي" الذي واصل قمع
الحركة الإسلامية لكن بأكثر دموية حتّى اِنبلج فجر الحرية وسقط هاجس الخوف وأطرِد
أعتى نظام دكتاتوري – بوليسي. ثُمَّ تداعت آثارها لتحدث زلزالا في عدّة أقطار
عربية، ولا زالت تداعياتها متواصلة في عدّة أقطار من العالم من المغرب إلى
أوكرانيا مرورًا بالبرازيل وبعض المناطق الآسوية..
فالمتأمّل في
تاريخ تونس المعاصر يلاحظ أنّ العامل الديني - أيْ الموقف من الإسلام هو المحرّك
الأساسي والقوي للحياة السياسية منذ مجيء بورقيبة الذي تجنّد لطمس الهوية الحضارية
للشعب التونسي إلى فترة النظام البوليسي الذي قاده بن علي منذ 1987 إلى غاية عشية
هروبه يوم 14 جانفي من سنة 2011.
وأنّ العامل
الاِجتماعي- الاِقتصادي كان المساعد فقط على تأجيج ثورة الشعب التونسي الذي عانى
القمعين الديني والسياسي طيلة نصف قرن. وأنّ الحركة الإسلامية وعلى رأسها حركة
"الاِتجاه الإسلامي" - والتي تحولت إلى "حركة النهضة" - هي
التي أيقظت مضاجع السلطة البورقيبية ثم سلطة بن علي رغم القمع القوي[9]
الذي شهدته الحركة الإسلامية بمختلف تياراتها واِتّجاهاتها السياسية المختلفة
(الاِتّجاه الإسلامي وحزب التحرير والتيار السلفي..).
وهذا ما يفسّر
أصالة وصمود الشّعب التونسي المتجذّر في هويته العربية الإسلامية طيلة هذه الفترة
الطويلة رُغم أنّ بورقيبة بذل جهدًا كبيرًا في تغيير ملامح هوية الشّعب التونسي
بكل الأسلحة القمعية سواء كانت سياسية أو فكرية أم قمعية بوليسية شرسة.
فطفح المشهد
الديني - بعد ثورة 14 جانفي 2011 - بقوة رغم مظاهر المطالب الاِجتماعية للمناطق
المحرومة والفقيرة..
إلاّ أنّ
الصّراع الذي بدأت ملامحه تتبلور على الساحة السياسية التونسية هو في آخر المطاف
صراع بين تيارين أعادا المشهد الأوّل الذي عاشته تونس بداية 1956 وهو الصراع بين
الخط العلماني الفرنسي بشقيه اليساري والليبرالي والخط الإسلامي بتنوع تياراته (أيْ
تيار الإسلام السياسي..) الذي ظهر من جديد ليطرح سؤال الهوية بقوّة.
فقد تبيّن
بوضوح لاَ لَبْس فيه أنّ الخطاب الديني الذي سكن قلوب الأجيال المتتالية رجع بقوّة
فاجأت كل المراقبين السياسيين والباحثين في الشأن الديني، متجاوزًا كلّ الحسابات
والتحاليل التقليدية في محاولة فهم الحراك الاِجتماعي الذي شهده المجتمع بعد ثورة
14 جانفي 2011. فأصبح هو المهيمن على الساحة السياسية المعاصرة والمحرّك لها مهما
تلوّنت مظاهر هذه الحركية الثورية التي يشهدها العالم العربي عموما وتونس بالخصوص
التي عاشت قمعا سياسيا وكبْتًا دينيا نادرًا ما يحدث في التاريخ المعاصر، وهو شبيه
بما حدث للمسلمين في الأنظمة الشيوعية في القرن العشرين.
ولم ينس المجتمع
التونسي المسلم ضرب المؤسسة الأم الحاضنة للهوية العربية الإسلامية طيلة أكثر من
ثلاثة عشر قرنا ألا وهي " الزيتونة " الجامعة والجامعة وفروعها الممتدة
على كامل تراب البلاد التونسية واِمتداداتها العلمية في القطرين الجزائري والليبي
من برقة شرقا إلى الجزائر العاصمة غربا.. ودورها الرئيسي والفعّال في مقاومة
الاِحتلال الفرنسي في تونس وفي الجزائر..
ولم ينس أيضا حلّ
الأحباس (الأوقاف) بكافة أصنافها نظرا لكونها المموّل الرّئيسي للزيتونة ونشاطها
العلمي والاِجتماعي والسياسي.. وذلك بعد حوالي ثلاثة أشهر فقط من هيمنته على
السلطة وبالتحديد في 18 جويلية 1957، وهو دليل واضح على خطّة جهنميّة تمّ التخطيط
لها من طرف بورقيبة وجماعته للقضاء على اِستقلالية المؤسسة الزيتونة ثم تفتيتها
وتقزيم دورها ومحاولة القضاء عليها نهائيا رافعا شعاره الشّهير الذي تبناه خلفه
"بن علي" في مواصلة قمع الحركة الإسلامية بتونس وهو "تجفيف المنابع"
لكلّ زيتوني أوْ إسلامي مقاوم لمشروعه العلماني المتطرف.. وهو إجراء (أي حل
الأوقاف) ما لم تتجرّأ عليه فرنسا الاِستعمارية رغم محاولاتها العديدة في حلّها
والقضاء على تمويل واِستقلالية "الزّيتونة"، حتّى لا تواصل رسالتها
الإصلاحية المعاصرة التي بدأت بفضل تيار زيتوني مستنير منذ أواخر القرن التاسع عشر
تبنى الفكر العقلاني الخلدوني[10]
، وتواصل مع الشّيخ العلاّمة "محمد الطاهر ابن عاشور" في ما طرحه من
بديل في مصنّفه "أليس الصبح بقريب" في إصلاح التعليم الزيتوني.. ولكن
عدة معوقات من القوى الاِستعمارية ورموزها من الدّاخل لإسقاط البديل المستنير
الأصيل حالت دون إحياء " الزّيتونة " في ثوب معاصر يعيد لها إشعاعها
الفكري والدّيني والوطني والإسلامي..
وفي هذا السياق
كان بورقيبة واعيا بضرورة القضاء على هذه المؤسّسة العريقة حتّى يتسنّى له تمرير
مشاريعه التربوية والاِجتماعيّة من خلال تهميش دور الإسلام من كل بديل حضاري-
مجتمعي.. وهو ما ترجمته القرارات العملية والقانونية القمعيّة والسّريعة الّتي
سنّها ونفّذها النّظام البورقيبي مُدركا خطورة وأهميّة التّعليم في تمرير أفكاره
وبرامجه لتهيئة الأرضية الثّقافية والمعرفيّة لتقبّل الأجيال الحاضرة والقادمة
لمشروعه الّذي حرص بكلّ الوسائل المتاحة له وعن طريق توظيف الآلة الإعلاميّة لفرضه
على المجتمع التونسي..
وبعد محاولة
غلق جامعة الزّيتونة – التي شهدت ردود فعل من الدّاخل والخارج - تراجع النّظام
البورقيبي قليلا إلى الوراء واِقترح حصر التّعليم الزّيتوني في شعبة أو فرع في
كليّة الآداب تحت تسمية " قسم اللاّهوت " بكليّة الآداب. وبعد فشل
المقترح في محاولتين[11]،
وتحت الضّغط الدّاخلي والخارجي، تَمّ حصر التّعليم الزّيتوني في مؤسّسة صغيرة في
حجم مدرسة اِبتدائيّة تحت اِسم "كليّة الشّريعة وأصول الدِّين" وذلك بعد
طرد جل الطّلبة المنتمين إليها وتقليل أعدادهم إلى حدود العشرة في المائة[12].
فإلغاء جامعة
الزيتونة سنة 1958 – عوض إصلاحها وتطويرها كما هو الحال في المثال الأزهري - يعتبر
خسارة كبرى للتّعليم التونسي عموما والجامعي بالخصوص، والّذي بقي يترنّح بلغة
مزدوجة طغت فيها الفرنسية على جلّ مواده الدراسيّة رغم وُعود السلطة البورقيبية
الكاذبة لتعريب التعليم التونسي واِسترجاع مكانة اللّغة العربيّة ودورها في تأصيل
الثّقافة والمعرفة المعاصرة ولو بشكل تدريجي.. وهو ما اِنعكس سلبا على المجتمع
التونسي الذي فَقَد أكبر وأصلب قلعة للعلوم والثقافة والتّراث الإسلامي الّتي
تخرّجت منها أجيال من فطاحلة العلماء في شتّى العلوم منذ قرون عديدة من التونسيين
والعرب المسلمين القدامى والمعاصرين من أمثال القاضي محمد بن الهواري ومحمد بن
هارون الكِناني وابن عرفة وابن خلدون وأبو مهدي عيسى الغبريني وأبو القاسم البرزلي
ومحمد الأبّي وأبو القاسم بن ناجي.. وغيرهم كثير ممن ذاع صيتهم في المغرب والمشرق
في شتّى العلوم الشّرعيّة والعلوم التّجريبيّة والعقلية.. ومن المعاصرين نذكر
محمود قابادو أب الحركة الإصلاحيّة التونسيّة والشّيخ محمد بيرم الخامس (ت 1889م)
الّذي نقل أفكاره الإصلاحيّة في أكثر من ميدان إلى مصر في التّعليم والاِقتصاد
والقضاء والسّياسة والصّحافة.. والعلامة محمد الطاهر ابن عاشور صاحب التفسير
القرآني المعاصر "التحرير والتّنوير" وغيرهم كثير.
فالخط العلماني
المتطرّف الذي جسّمته السّياسة البورقيبيّة تجاه الدِّين الإسلامي، أفرز تهميشا
ومحاصرة لدور الإسلام في التّعليم والثّقافة والتّربية وتأصيل الاِختيارات
الحضاريّة المعاصرة.. فولّد فراغا رهيبا واِضطرابا في الشّخصيّة العربيّة –
الإسلاميّة الّتي وجدت الملاذ الوحيد إليها لإعادة توازنها الرّوحي والتّربوي
والعلمي فيما تبقّى من همّة بعض الشّيوخ الزيتونيين من خلال دروسهم وخطبهم
التّوعويّة، رغم أنواع المضايقات وأصناف القمع والمحاصرة من طرف النّظام البورقيبي
الّذي سعى إلى مطاردتهم وحبسهم وإغرائهم بالمال والمناصب ومحاولة إدماجهم في سياسة
النّظام الّذي نجح نسبيًّا في اِستمالة البعض منهم لإضفاء الشّرعيّة على قراراته
التّهميشيّة والمعادية للإسلام وثوابته بتعلاّت واهية..
3- الإسلام
الاحتجاجي من الدّعوي إلى السياسي:
ورغم هذا الوضع
فإنّ جِيلاً من المثقّفين الإسلاميين بدأ يطفو على سطح الحياة الدينيّة والفكريّة
والسّياسيّة، حاول تجديد الخطاب الدِّيني وملء الفراغ الرّوحي والتّفكير بثوابت
الدِّين الإسلامي، من خلال الدّروس الوعظية والّتي هيأت لظهور ما يعرف بـ
"الإسلام السّياسي" في أبرز حركة إسلامية انضوت تحتها جل التيارات
الإسلاميّة في تونس ألا وهي "حركة الاِتّجاه الإسلامي"، الّتي نشطت في
المساجد والجوامع وفي بعض الجمعيات الثقافية
والفكريّة وٱلمجلاّت والنّشريات الدِّينية والسّياسيّة – الإسلاميّة..
فأعادت الروح للحضور الإسلامي في المجتمع وخلقت نوعًا من التّوازن الفكري
والثّقافي والأيديولوجي تجاه الخطاب الرّسمي الّذي ساد وهيمن بشكل قمعي وتسلّطي
منذ حوالي الجيلين وبالتّحديد بين أواسط الخمسينات وأواسط السبعينات من القرن
العشرين، وهي فترة تاريخية شهدت طغيان الخطاب البورقيبي على الحياة السياسية
والفكريّة من خلال توظيف كلّ المؤسّسات الثّقافيّة والتّعليميّة للدّولة للتّرويج
لذلك الخطاب الّذي نجح نسبيًّا – في تلك الفترة - في تكوين جيل من
"المثقّفين" العلمانيين من بقايا "المدرسة الصّادقيّة" بدعم
ومساندة التّيار اليساري والليبيرالي من المدرسة العلمانية الفرنسيّة منذ 1961
تاريخ إنشاء كلية الآداب بتونس.
فكانت هذه
الأخيرة وبمعاضدة كليّة الحقوق يومئذ: معقل التيّارات العلمانية المعادية للتيار
الإسلامي..
وفي خضم ذلك
الصّراع الفكري الّذي تحوّل إلى صراع سياسي وأيديولوجي حاد، وصل درجة التّصادم
المباشر بين السّلطة ومؤيّدوها من جهة وبين التّيار الإسلامي الذي فرض حضوره في
عدّة مواقع سواء في المؤسّسات الدِّينيّة أوْ التّعليميّة أوْ المنابر الفكريّة
الّتي شهدتها المؤسّسات الثّقافيّة مثل دُور الشّباب ودُور الثّقافة (نوادي
الفكر).. لتتوسّع دائرة الوعي الدِّيني والسّياسي لدى الجماهير العريضة من الشّباب
التّلمذي والطّالبي..
وأمام تفاقم
الوضع حاولت السّلطة البورقيبة أنْ تطوق الوضع المتوتّر عموما ومحاصرة الظّاهرة
الدِّينيّة الّتي اِنتشرت في كلّ الأوساط الشّعبيّة والنخبوية، ولم يعد بالإمكان
مواجهتها بالأساليب القمعيّة التّقليديّة، لأنّ تفاقم حضور الظّاهرة الدِّينيّة في
المجتمع شَكّل تهديدًا قويّا للسّلطة الحاكمة في كيانها و"مكتسباتها"، ولم
يعد ينفع معه إلاّ تبنّي مقولات دينيّة تحاول أنْ توهِم الشّعب بأنّ النّظام
البورقيبي هو القادر على تقديم البديل الإسلامي الحضاري المستنير مقابل طرح تقليدي
– رجعي لظاهرة "الإسلام السّياسي" الّذي تجاوز نشاطه الدّعوي والأخلاقي
في المجتمع ليتحوّل إلى قوّة منافسة ومهدّدة قادرة على زعزعة المشروع البورقيبي
برمّته.
فحاول
"بورقيبة" أنْ يتقمّص – بعد شخصيّة الزّعيم الملهم والأوحد - شخصيّة "الإمام
والمجتهد العبقري" الّذي قام – حسب زعمه - بالمحافظة على الأصول الإسلاميّة
للدّولة التونسيّة.. والّذي أعانه الله فيه (أي في عهد بورقيبة) على بعث الدّولة
إلى الوجود.[13] (وكأنّ
الدّولة لم تكن موجودة قبل بورقيبة. حيث وصل به الغرور الفرعوني إلى اِعتبار
الشّعب التّونسي غبارًا من الأفراد فبعثه للوجود!)[14]
إلاّ أنّ هذه
الشّخصية المضطربة والمغرورة والمراوغة في الآن نفسه، حاولت في كلّ مرحلة من مراحل
التحدّيات الكبرى أنْ تتلوّن وتستعمل سياسة "الكرّ والفرّ" دون ملل.
فكان أكبر تحدٍّ يلاحق دولة بورقيبة طيلة حكمه هو: الشّأن الدِّيني المتمثّل في
المجابهة المستمرّة والصّعبة مع الإسلام السّياسي الّذي قاوم النّظام البورقيبي
بكل الوسائل الممكنة رغم أنّ هذا الأخير نجح في تصفية منافسيه من القوميين بزعامة
"صالح بن يوسف" والشّيوعيين بزعامة الحزب الشّيوعي التونسي الّذي تمَّ
حلّه في سنة 1961، والهيمنة على الحركة النقابية واِحتوائها.. لكنّه وجد صعوبة في
تصفية الحركة الإسلاميّة رغم عمليات القمع الدموي والمحاكمات القاسية وأساليب
التجويع والتّشريد.. حتّى أطاحت به بطريقة غير مباشرة وتخلخل الأمن العام فجيء
بالعسكري "بن علي" ليسيطر على الوضع الأمني المتردّي ويحمي النّظام من
كل تهديد قد يذهب ببورقيبة الهرم ونظامه المتداعي. وفي الأثناء بدأ التّفكير في
خلافة بورقيبة.
4- ملامح
المشهد الديني التونسي:
من هنا بدأت
ملامح المشهد الديني التونسي الجديد في الظهور والتشكّل تدريجيا في جمعيات دعوية
ثمّ ثقافية وفكرية لمقاومة هذا العداء للدِّين الإسلامي والهوية العربية الإسلامية
المهددة بالاندثار والمحق لتهيمن فيما بعد على الساحة السياسة.. ولتكون فيما بعد
محور الحياة السياسية والفكرية بظهور "الإسلام السياسي" أو الإسلام
الاِحتجاجي والمتمثل في:
أ-
"الاتجاه الإسلامي":
الذي تشكّل في
رحم النشاط الدعوي ليرشّح نفسه امتدادا للحركة الإصلاحية التونسية التي ظهرت منذ
سبعينات القرن التاسع عشر.فهي وصل وتواصل لنضال
شيوخ الزيتونة وطلابها الذي حاول بورقيبة إنكاره والقطع معه عبر فرض مشروعه
العلماني المتطرف. وحاولت في الآن نفسه ألاّ تكون نسخة مطابقة لحركة الإخوان
المسلمين وعيا منها بضرورة استثمار عراقة وريادة "الحزب الحر الدستوري" الذي أسّسه الشيخ الزيتوني
المجاهد "عبد العزيز الثعالبي" المشهور لدى المشارقة بـ"رائد الحرية والنّهضة
الإسلامية". والملاحظ أنّ هذه الحركة كانت أقدر من غيرها في شد الأنظار إليها
وأحكم تنظيما وأوسع انتشارا لأكثر من ثلاثة عقود..
ب- وفرع
"حزب التحرير":
بتونس المبشِّر
بإعادة الخلافة الإسلامية على مستوى العالم الإسلامي من خلال برنامج جاهز يسعى إلى
إقناع الناس بتبنيه آليا: فهي حركة إسلامية سياسية ذات قناعات واختيارات واضحة
المعالم تسعى إلى إقناع الناس بها..
ورغم قمع
السلطة وحصارها المستمر لكل التيارات الإسلامية، فقد برزت من حين إلى آخر جمعيات
وتنظيمات إسلامية تحوّلت تدريجيا إلى قوة دينية ذات آفاق سياسية مثل:
ج- "جماعة
الدّعوة والتّبليغ":
التي تمحور
نشاطها على التربية الروحية وممارسة النشاط الدعوي عبر تنظيم ما يعرف
بـ"الخروج في سبيل الله " لحثّ الناس على الرجوع إلى الأخلاق الإسلامية
وممارسة الشعائر الدينية وعلى رأسها الصلاة.. ولكنها لا تدعو ولا تشارك في أيّ
نشاط سياسي، إلاّ أنّها ساهمت بشكل ملحوظ في إحياء الحياة الروحية في المجتمع
التونسي الذي عاش نوعًا من التصحّر القسري الذي مارسه النظام البورقيبي وأتبعه
نظام بن علي البوليسي ولكن بأسلوب أكثر تخلّفا وهمجية..
د-
"التّيار السلفي":
ظهر هو أيضا أواخر
فترة نظام "بن علي"، وقد تبنَّى خطابا أكثر دقّة وتماسكا من الناحيتين العلمية والمنهجية
من التيار السابق رغم القواسم المشتركة، مركّزًا في خطابه على ضرورة الفهم الصحيح
للعقيدة والدين عموما، وذلك بالرجوع إلى فهم السلف الصالح الذي يستند إلى القرآن
والسنّة، مع التّحذير من البدعة، إضافة إلى الاِلتزام بالسنن كاللحية والتقصير في
الثوب.. وقد انتشر هذا التيار بعد الثورة بصورة لافتة حيث حرص على الاِنتشار عبر
تأسيسه لمعاهد تعليمية في عدة أماكن بفضل الدعم المالي وتوزيع الكتب والنشريات
الحاوية لفتاوى ذات منحى سلفي من مصنفات
لرموز وأعلام قدامى ومحدثين.
ه-
مواصلة انتشار التيار المحسوب على التصوّف:
إنّ التيار
الصوفي الطرقي الذي أصابته اِنحرافات فكرية وسلوكية لا علاقة لها بالتصوف السُنّي
الشّرعي الذي أسسته "مدرسة القيروان" في التصوف بداية القرن الثالث
للهجرة (التاسع ميلادي) ثم اِنتشر على كامل المغرب العربي وبلدان جنوب الصحراء
بمختلف مدارسه وتياراته ورموزه مثل الشاذلية والتيجانية والعروسية (بن عروس)
والعزوزية (سيدي عزوز) والمدْينية (محمد المدني) وغيرها... إلاّ أنّها بحاجة إلى
حركة صوفية علمية تصحيحية تنقذها من البدع الفاسدة والممارسة السلوكية المنحرفة
وما طُبعت به في أغلبها من مظاهر فلكلورية وقع توظيفها من طرف السلطة السّابقة...
ولكن يبدو أنّ
التيار الصوفي بهذا المفهوم لقي دعما من القوى المضادة للثورة لأغراض سياسية بحتة
ولا علاقة له بالتصوف المغاربي الأصيل.
و-
ظهور التشيّع:
إنّ ظاهرة
التشيّع في البلاد التونسية كانت ولا زالت غريبة عن الواقع الدّيني منذ دخول
الإسلام إلى هذه الربوع في منتصف القرن الأوّل الهجري أي منذ العهد الأموي بين خمسين
وخمسة وخمسين للهجرة بتأسيس مدينة القيروان وإنشاء جامعها الشّهير "جامع عقبة
بن نافع"، حيث كانت القيروان عاصمة الغرب الإسلامي إلى حدود القرن الخامس
الهجري (الحادي عشر ميلادي) حيث تمكّن الشيعة الإسماعيلية من تأسيس دُويلة في
المهدية في منطقة "الساحل التونسي"، ولم تصمد إلاّ حوالي ستين سنة
وبالتحديد ثلاثة وستون سنة نظرا لوجود رفض بل مقاومة عنيفة ومستمرة من طرف أهل
السنة والجماعة المالكية مذهبا والأشعرية عقيدة والجنيدية طريقة في التصوف السني-
الشرعي.
وعندما اِنتقلت
هذه الأقلية الشيعية -الفاطمية إلى المشرق وبالتحديد إلى مصر، فإنّ أهل تونس سرعان
ما أعلنوا ولاءهم من جديد للمذهب السني المالكي الأشعري. وبالتالي لا يمكن الحديث
عن أنّ التشيّع هو عودة للجذور الشيعية للبلاد التونسية "بل هو وافد جديد أتى
من إيران ثورة الخميني (1979)"[15].
ولكن كان التأثير سياسي أكثر منه ديني.
أمّا بعد ثورة
14 جانفي (يناير) فإنّ الوضع أصبح مغايرًا لما هو عليه سنة 1979 لأنّ البلاد
التونسية أصبحت عرضة للاِختراق السياسي والأمني وتحوّلت -في شبه غياب اِستقرار
الدولة ومؤسساتها- إلى ساحة مفتوحة لكلّ القوى الإقليمية الغربية منها والشرقية
ومن تلك القوى "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" التي حاولت أن تضع لها
قدمًا في تونس وتحتلّ هي الأخرى مكانة في الخارطة الدينية.. فلوحِظت في آخر فترة
"بن علي" محاولات شيعية للظهور العلني وخاصّة من أتباع "المذهب
الجعفري الإمامي"، ولكن السلطة -رغم صدامها مع الحركات السنية بتنوع مشاربها-
لم تتركهم ينشطون في العلن، لذا اِضطروا إلى ممارسة طقوسهم سرًّا اِستعدادا لظروف
مغايرة اِنتظروها بأمل كبير بعد تيقّنهم من أنّ جهاز السلطة بدأ في التآكل تمهيدًا
للاِنهيار التام المنتظر. وبالفعل شرع بعض المتشيعين في النشاط العلني وأصبحوا يبشّرون
بمذهبهم لدى العامّة في الأسواق وبعض المحلات التي اِتخذوها أمكنة للاِلتقاء
وممارسة الطقوس بعيدًا عن كثرة الأنظار خاصة في الجنوب التونسي، بل إنّ بعض
زعمائهم وشيوخهم قاموا ببعض الحوارات مع وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية.. ولكننا
نعتقد أنّه مهما أُتيحت لهم من ساحات حرية، فإنّ ضمان الحريات العامة لكافة
الإسلاميين بتنوّع مشاربهم سوف ينقل المعركة إلى صراع فكري -علني بينهم وبين
أغلبية التيارات الإسلامية التي تتبّع -منذ قرون طويلة- المذهب السني الراسخ في كل
الأوساط العلمية والشعبية والمؤسسات الدينية، وهو من شأنه تقليص الحضور الشيعي
لأنّ تونس وكافة بلدان المغرب العربي واِمتدادها الإفريقي حافظت بل طُبعت بطابع سنّي
مالكي أشعري قويّ اِزداده الزمن رسوخا وصفاء بفضل الجهود التنظيرية الكبيرة
للعلماء التي لعبت دورًا عجيبا في الانسجام المذهبي والفكري الذي قلّما نجد مثيله
في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، حيث يصعب اِختراقه أو زعزعته كما هو الحال في
المشرق العربي والبلدان الإسلامية الأخرى.
5- فترة ما بعد
بورقيبة والموقف من "الإسلام الاِحتجاجي":
في آخر لحظة
فاجأ "بن علي" الجميع باِنقلابه على بورقيبة من نوفمبر من سنة 1987 الذي
اِحتوى على مطالب المعارضة في الحرية والعدالة والكرامة وإعادة الاِعتبار لمكانة
الإسلام في الدّولة والمجتمع.. وسرعان ما انكشف الوجه الحقيقي لدكتاتورية النّظام
العسكري الجديد الذي واصل قمع الإسلاميين من حيث اِنتهر بورقيبة. فٱتّبع نفس
المنهج البورقيبي في مقاومة الظاهرة الدّينية الّتي اِنتشرت في كلّ الأوساط وتعاطف
معها الشّعب وٱلتفّ حولها، وكلّ ما زاد النّظام في قمعه للإسلاميين كلّما تحوّلت
الحركة إلى رمز المقاومة ورمز الأصالة والهويّة ورمز العدل الحقيقي والحرية
المنشودة، إلى درجة تعاطف العديد من الشّخصيات والهيئات الحقوقيّة ذات الميولات
اليسارية والليبراليّة المستقلّة مع ضحايا القمع والاضطهاد
"النّوفمبري". فحاول النّظام القمعي الجديد أنْ يُبيّض من صورة بجملة من
من الإجراءات الشّكليّة مثل الإعلان عن القرار الرّئاسي ببعث جامعة الزّيتونة
بمعاهدها الثلاثة بعد أنْ كانت كلية في عهد بورقيبة، وفي إطار "إعادة
الاٍعتبار للدِّين" أيضا أحدث كتابة الدّولة للشّؤون الدينيّة التي سرعان ما
تحوّلت إلى وزارة الشّؤون الدِّنية. ولكن تبيّن في الأثناء أنّ هذه الإجراءات هي
"ذرّ الرّماد في العيون" بدليل أنْ زاد من تقزيم البنية التحتية للجامعة
المزعومة وحصر عدد طلبتها إلى بضع مئات، وأنّ وزارة الشّؤون مُنحت نصف بناية من
أبنية الوزارة الأولى، وأنّ مؤسّسة الإفتاء بقيت جزءًا صغيرًا وثانويا بل شكليا من
الوزارة الأولى تضع – إلى جانب مفتي الجمهورية - بضعة موظفين يُعَدّون على الأصابع[16]،
وأنّ " المجلس الإسلامي الأعلى
" هو أيضا تابع لأحد مديري الوزارة الأولى ولا يتمتع ميزانية مستقلّة،ويعمل
بقانون قديم منذ بداية الحكم البورقيبي الّذي حرص على أنْ يجعله واجهة شكليّة
ليضفي الشّرعيّة الدِّنية على النّظام كلّما دعت الحاجة لذلك.
ولكن رغم هذه
الاِلتواءات لمجابهة الإسلام السّياسي بنفس الأساليب البورقيبية في الاِحتواء
واِمتصاص غضب المعارضة عموما والمعارضة الإسلامية بالأخصّ،حيث كانت ولازالت الورقة
الصعبة التي أقلقت النظام العلماني الديكتاتوري في فترتي بورقيبة وبن علي أيْ منذ
أكثر من نصف قرن من الصراع الظاهر والخفي بين الطرحين الإسلامي والعلماني..
وفي الأثناء
تفاقم فساد النظام وفاحت رائحته، وهو ما أفقده توازنه وما تبقى من مصداقية، وأصبح
المواطن العادي يتندّر بسرقات العائلتين المتصاهرتين "بن علي"
و"الطرابلسي" في الشارع والبيت.
وقد تسارعت
الأحداث التي تمحورت كلّها حول غطرسة النظام وقمعه للحريات وفي المقابل اِزدادت
الأوضاع الاِقتصادية والاِجتماعية سوءًا حتى أصحبت تُرى بالعين المجردة في كل
المؤسسات وفي المدن والأرياف.. والكل ينتظر سقوط النظام من لحظة إلى أخرى حتّى
اِندلعت الثورة بصورة فاجأت الجميع من الداخل والخارج، واِنتشر الغضب الشعبي
العارم في أنحاء البلاد كالنار في الهشيم، وفرّ رأس النظام وحوصر أزلامه وتمّ حلّ
حزبه الحاكم. ولم تمرّ تسعة أشهر حتّى وقعت اِنتخابات 23 أكتوبر الشهيرة التي فاز
فيها الإسلاميون رغم عدم اِستعدادهم الكامل لها نظرا لوضعهم الخاص المتمثل في سجن
جلّ كوادرهم ولجوء الباقي إلى الخارج..
وبالتالي حصلت
المفاجئة الثانية المتمثلة في اِنتصار الإسلاميين بالرغم من أنّ الكثيرين من
المراقبين في الداخل والخارج راهنوا على أنّ أنصار حزب النهضة الإسلامي لن يتجاوز
نسبة نجاحه العشرين بالمائة، وهو دليل آخر على أنّ المسألة الدينية والتعاطف مع
الإسلاميين بقي من اِهتمام الشعب التونسي رغم اِنهيار الاقتصاد والجراح الاجتماعية
التي تركها النظام البوليسي - القمعي في نفوس الشعب.. وهو ما يفسّر ردة الفعل هذه
على الكبت والقهر الذي عرفه التونسي في محاولات طمس هويته العربية - الإسلامية من
النظام السّابق والنظام الأسبق. أمّا المفاجأة الثالثة هو تهديم حاجز الخوف لدى
العديد من الشعوب -قدوة بثورة تونس- وكسر وهم الخوف من الأنظمة المستبدّة، فاندلعت
ثورات ما عرف بالرّبيع العربي والتي فاز فيها الإسلاميون في اِنتخابات ديمقراطية.
وبعد الصراع
ثمّ الذهول مما وقع على المستوى السياسي، اِستفاقت الثورة المضادة لإفشال هذه
الثورات بكل الوسائل الممكنة وبإعانة من أعداء الشعوب المضطهدة من الداخل
والخارج..
وبدون سرد
تفاصيل الثورة ومراحلها المتسارعة وما قامت به الثورات المضادة، فإنّ المعادلة
المفقودة القادرة على تحقيق الحلم المنشود لدى الشعوب العربية والإسلامية، طفحت من
جديد على سطح الأحداث التاريخية النادرة القادرة على صنع المنعرج الحقيقي والتغيير
الحقيقي الذي طالما حلم به كلّ إنسان مضطهد ومقهور: وهو تحقيق " الحرية
والكرامة الإنسانية " التي انتهكت بفضاعة لا مثيل لها في عالمنا العربي
والإسلامي، وتحقيق التقدم في كنف "العدل الاِجتماعي" حتى يشعر
الإنسان بالأمن الحقيقي الذي يشمل الأمن الغذائي والاِقتصادي والأمن النفسي
والروحي، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم في الآيتين الرابعة والخامسة من سورة قريش
بقوله تعالى: ﴿الذي أطعمهم من جوعٍ، وآمنهم من خوف﴾.
ولن يتحقّق ذلك
إلاّ ببديل حضاري أصيل وواقعي يراعي تطوّر العصر ولا يقطع مع التراث، وهو شرط
التقدم الحقيقي لا الوهمي، وشرط الإبداع والإضافة الحضارية.. وهو ما ينشده الخطاب
الإسلامي المستنير الذي يستند إلى القراءة التاريخية (أيْ الواقعية وليست
المثالية) والقراءة المقاصدية، بأسلوب المتحرّر من الصراعات المذهبية القديمة
والقادر على تجاوز الإشكاليات القديمة والاِنخراط في العصر بكلّ وعْيٍ تاريخي (أي
وعْي بقضايا العصر) وذلك برفع شعار "الاعتبار دون الاِنبهار"،
بمعنى الاِعتبار من الماضي التليد الذي صنع القوة والمجد والعدل، وفي الآن نفسه
الاِعتبار من الحاضر الغربي الذي حقّق التقدم المادي والتقدم السياسي
والاِجتماعي.. ولكنه اِعتبار دون الاِنبهار بماضينا المجيد حتى لا نسقط في
الماضوية، ودون الاِنبهار بالآخر حتى لا نسقط في التبعية السلبية العاجزة على
الإبداع وتحقيق الإضافة الحضارية المنشودة.
وقد لاحت بوادر
مثل هذا الخطاب الإسلامي المعاصر في التجربة التركية الحديثة بقيادة "حزب
العدالة والتنمية" والتي برهنت على البديل الإسلامي الذكي والمستنير القادر
على تحقيق التقدم والحرية والعدل في هذا العصر المليء بالتحديات.. آملين بل
متفائلين -رغم المؤامرات الداخلية والخارجية لإفشال التجربة الجنينية- بأنّ
التجربة التونسية مرشحة للنّجاح هي أيضا بإذن الله وعونه٪
د. علي الصولي
جامعة
الزيتونة – تونس-
[1]-
وهي
شهادة "مصطفى الفلالي" أحد رفقاء بورقيبة القدامى من على منبر مركز
الدراسات العثمانية والموريسكية في مؤتمر حول "السلطة وآليات الحكم في عصر
بورقيبة: تونس والبلاد العربية. إشراف وتقديم: د. عبد الجليل التميمي. وكان ذلك في
شهر فيفري 2003.
[2]-
كان
ذلك في 18 جويلية 1957.
[3]- وهي قناعات فكرية وأيديولوجية منذ اِلتحاق بورقيبة بباريس لمواصلة
تعليمه واِحتكاكه بما يعرف بالاِشتراكية الدولية في ثلاثينات القرن العشرين.
[4]-
د.
عبد الجليل التميمي، المرجع السابق، ص47.
[5]-
كما
أكّده المناضل والنقابي التونسي الكبير "أحمد التليلي" ،ﭐنظر في ذلك
شهادات كثيرة في المؤتمر السّالف الذّكر حيث أشار إلى مثال آخر عاشه هذا الوزير
ليكون شاهدًا على ديكتاتورية بورقيبة وتحوّلها إلى حالة مرضية، من ذلك أنّ بورقيبة
أمر بإيقاف جريدة "Le Phare" في شهر مارس 1981 حالا لأنّها نشرت مقالا حول نضال وتضحيات
الشعب التونسي ورموزه النضالية من أجل تحرّره من ربقة الاِستعمار الفرنسي.. ونُشرت
صور لباي تونس والزعيم الوطني العروبي والإسلامي صالح بن يوسف الذي وقع اِغتياله
في ألمانيا من طرف المخابرات البورقيبة، وغيرهم من المناضلين.. (المرجع السابق،
ص48).
[7]-
د.
عبد الجليل التميمي ، ص48.
[8]- لعلّ أفضل صورة لشخصية بورقيبة المهتزّة هو ما نُسب إلى أحد
الديبلوماسيين الغربيين العارفين بالعالم العربي - الإسلامي الذي نُقل عنه قوله:
«لم أرَى رجلا خارج فرنسا أقرب إليها من الرئيس بورقيبة، ولم أرى في العالم العربي رجلا أقل تشابها
للعرب منه..». (راجع مقالة "جون لاكوتور - "Jean Lacouture" في جريدة "لومند - Le monde"، تحت عنوان "الاِستراتيجيا النبوئية - La
stratégie prophétique"
نُشرت يوم 09 نوفمبر 1987 الصفحات من 01 إلى 04 (المرجع: محمود الذوادي، أضواء على
شخصية بورقيبة وعلاقتها المتوترة مع الإسلام والعروبة -فيفري 2003.)
[9]- نشير هنا إلى أنّ حواليْ خمسة وثلاثين ألف (35.000) إسلامي تمّت
محاكمتهم دون أية ضمانات قانونية وعانوا ويلات القتل والتعذيب والتشريد والملاحقة
طيلة الفترتين البورقيبية و"النوفمبرية".
[10]- ﭐنظر كتابي: د. علي الصولي، "الدين والدولة والمجتمع في
مواقف وآثار محمد بيرم الخامس" (1840-1889) ، دار الطليعة الجديدة- دمشق
2003، ص.ص 107، 183.
[11]- وهي من بنات أفكار صديقه النقابي والأديب الوجودي "محمود
المسعدي" صاحب قصّة "السّد" و"حدّث أبو هريرة قال"..
وبعد أنْ فشلت المحاولة الأولى وبعد بضع سنين عاود المقترح مرّة ثانية بتشجيع من
وزيره القوي الشّيوعي "محمد الصّياح".. وأخيرًا أرسى على حلّ وسط لتحويل
جامعة الزّيتونة إلى كلية صغيرة تحت تسمية "كليّة الشّريعة وأصول الدِّين"
يأويها مقرّ مدرسة اِبتدائيّة بحي "مونفلوري" القريب من الربض الجنوبي
من المدينة العتيقة.
[12]- ٱنظر في ذلك كتاب الدّكتور محمود عبد المولى: L’université
zaytounienne et la société tunisienne: الجامعة الزيتونية والمجتمع التونسي، نشر المركز القومي للبحث
العلمي –تونس 1971، ص.ص 2224-225.
[13]- راجع في ذلك كتاب: بورقيبة والإسلام، تأليف: لطفي حجّي، دار
الجنوب للنّشر- تونس، ص142.
[14]- وقد عبّر عن ذلك في مجلّة المغرب العربي (التونسية) وباللّغة
الفرنسية: "poussière
d’individus" أيْ
"غبار من الأفراد".
[15]- راجع في ذلك دراسة أو بالأحرى ملف من إعداد: روعة قاسم، تحت
عنوان "الشيعة في تونس.. من السرية إلى العلنية، نشرت بموقع www.akhbarak.net بتاريخ 30/03/2011.
[16]- لا يظهر المفتي إلاّ
ليترصّد الهلال ويعلن عن بداية الأشهر القمرية ويضبط مقدار الزّكاة في نهاية كلّ
سنة هجرية، ويرافق رئيس الدّولة في المناسبات الدِّنية مثل عيدي الفطر والأضحى أو
بمناسبة الاِحتفال بالمولد النّبوي الشّريف!

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire