2014/03/26

الزيتونة : الجامع الأعظم والجامعة العريقة (التاريخ – المعمار – الزخرفة – النشاط العلمي)






الرواق القبلي وقبّة المجاز - جامع الزيتونة -.



الإستماع إلى درس بحرم جامع الزيتونة المعمور.





لقد اِقترن تاريخ جامع الزيتونة بتأسيس مدينة "تونس الإسلاميّة" منذ نهاية القرن الأوّل الهجري إلى أوائل المائة السابعة، حيث كانت المدينة العتيقة منفردة بجامع واحد وهو جامع الزيتونة الذي عرف بـ " المسجد العتيق "، بل حتّى بعد جواز تعدّد صلاة الجمعة، فإنّ " الزيتونة " بقيت رمز المدينة العتيقة وأبرز معلم بها تمحورت حوله الحياة الدينيّة والعلميّة والاجتماعية والسياسيّة. ذلك أنّ الطقوس الدينيّة وبداية النشاط العلمي بهذا الجامع الرمز متقدّم على ظهور مذاهب السنّة بإفريقيّة،"فكانت الصلوات تقام فيه على ما وصل لجماعة المسلمين بتونس من اِجتهاد الصحابة والتّابعين "[1]. ولم تقم فيه الشعائر على قواعد المذهب المالكي إلاّ نهاية القرن الثاني الهجري (نهاية الثامن الميلادي) حين أدخل العالم الفقيه الزاهد "علي بن زياد التونسي العبسي" المتوفى سنة 187 هـ/ 799 م موطّأ الإمام مالك إلى إفريقيّة وفسّره ومنها اِنتشر إلى كامل بلدان المغرب العربي التي لم تكن تعرفه.
أمّا عن تاريخ التأسيس فقد مرّ بمراحل مختلفة وهو ما اِنعكس أيضا على اِختلاف روايات المؤرخين فيما يخصّ مؤسّسه وتاريخ بنائه وتدعيم أبنيته وتوسّعه وعناصره المعماريّة المضافة إليه وزخارفه المتنوّعة: والمعلوم أنّه لا يمكن الفصل بين تاريخ تأسيس المدينة الإسلاميّة -كما هو الشأن بالنّسبة لمدينة تونس- وتاريخ تأسيس مسجدها الجامع حيث لا يمكن للفاتحين المسلمين أن ينشئوا مدينة دون بناء جامعها أو أن يرجئوا بناءه لاحقا، وهو ما حدث في فتح مدينة تونس لأوّل مرّة على يد القائد العسكري العربي الإسلامي " حسّان بن ثابت " سنة 73 هجري / 692 ميلادي رغم أنّ قرطاج لازالت تحت سيطرة البيزنطيين.
وهذا يعني أنّ النواة الأولى لمسجد جامع للمسلمين قد أسّس منذ تلك السنة، وهي عادة المسلمين إثر فتوحهم لتلك المدن أو إثر تشييدهم للمدن -المعسكرات على أرض بكر كما هو الشأن في الكوفة (العراق) أو الفسطاط (مصر) أو القيروان (تونس)...
ورغم اِختلاف بعض المؤرّخين في ضبط تاريخ فتح مدينة تونس فتحا نهائيّا               سنة 79 هـ/698 م بعد المحاولة الأولى سنة 67 هـ/686 م على يد " زكرياء بن قيس البلوي "[2]، فإنّ الاعتقاد الغالب أنّ المؤسّس الفعليّ لجامع الزيتونة هو عبيد الله بن الحبحاب " الذي عيّن فيما بعد –وبالتحديد سنة 114هـ/732م- واليا على مصر، وبالتالي فإنّ سنة 84هـ/703م هي السنة التي نُسب إليها تأسيس جامع الزيتونة على يد القائد العسكري "ابن الحبحاب"، وهو رأي أغلب المؤرّخين القدامى والمعاصرين الذين ينسبون تأسيس الجامع إلى "حسّان بن النعمان"، والزيادة والتوسعة والضخامة إلى "عبيد الله بن الحبحاب".
ولم يشهد جامع الزيتونة قفزة نوعيّة أخرى منذ ذلك العهد في عمارته على المستويات المعماريّة والزخرفيّة والعلميّة إلاّ في العهد الأغلبي في القرن الثالث الهجري الموافق للتاسع ميلادي، حيث تمّ تجديده بشكل واسع بأمر من الحاكم الأغلبي " زيادة الله الأول " بدءا من سنة 221هـ/836م، وهو ما أعطاه ضبطا نهائيّا لمساحته وعناصره المعماريّة الرئيسيّة.
إنّ من أهمّ العناصر المعماريّة لهذا الجامع العتيق هو بيت الصلاة التي تمسح 1344 مترا مربّعا، وهي عبارة عن مربع غير منتظم معمّد يحتوي على 15 صفا من القناصر (مسكبة) و16 بلاطة عمودية على القبلة مغطاة بسقوف منبسطة. أمّا الجزء المعماري الثاني في هذا الجامع فهو الصحن المحاط بأروقة من الجهات الأربعة. إلاّ أنّ أعرقها وأفخمها هو الرواق الأمامي المعروف بـ"المجنّبة" الفاصل بين قاعة الصلاة وصحن الجامع حيث يتركّب من أقواس مبنيّة بالحجارة المرصّفة والمزخرفة بمجموعات من الخطوط المنكسرة والمرصّفة بالتناوب. وقد نسبا الأثري والمهندس "كرازوال" (creswell) وكذلك المؤرّخ حسن حسني عبد الوهّاب هذا الرواق إلى الدولة الصنهاجية بعد سنة 361هـ-972م أي بعد خروج الحاكم الشيعي المعزّ لدين الله الفاطمي إلى مصر.
كما يلاحظ الزائر لهذا المعلم الإسلامي الكبير -رمز الهويّة الدينية للبلاد التونسية- العديد من العناصر المعمارية الفريدة في عمارتها وزخرفتها مثل : الصومعة المالكيّة العملاقة التي يبلغ اِرتفاعها 43 مترا، وهي المقتبسة من النمط المغربي الأندلسي الذي ظهر في البلاد التونسية عند بناء جامع القصبة الموحّدي، وكذلك المزولة الموجودة في الجهة الشرقية من الصحن... هذا إلى جانب أثاثه القديم الذي يعود إلى عدّة قرون وهو شاهد على الإبداع الفنّي العربي الإسلامي الأصيل مثل : المنبر الخشبي الأغلبي، والختمة الحفصية ومجموعة من الخزائن بلغت العشرين خزانة للكتب وهي على يمين المحراب حبّسها أحمد باشا باي الحسيني على جامع الزيتونة في رمضان 1236 هـ - نوفمبر 1840م، كما لا ننسى تحفة أخرى من تحف الجامع وهي " المعلّقة " الحاوية على منشور أحمد باي الأوّل الخاص بتنظيم وتطوير التعليم الزيتوني والعناية بالجامع الأعظم، و حيث سنّ هذا القانون سنة 1258هـ- 1842م[3]، وعلّقت تقيشته بالحائط الغربي قرب " باب الشفاء ".
ويمكن القول أنّ هذا المعلم العريق –رمز مدينة تونس الإسلاميّة- شهد عدّة محطات تاريخيّة مفصليّة في تاريخه، يمكن تلخيصها على النحو التالي :
-       أوّلها : سنة 73 للهجرة – 692 للميلاد، وهي سنة تاريخ فتح مدينة تونس على يد " حسّان بن ثابت "، وبالتالي فإنّ هذه السنة شهدت تأسيس النواة الأولى لهذا المسجد –الجامع في مكانه الحالي مع التأكيد أنّ حجم مساحته وضخامته قد تطوّرت بمرور السّنين.
-       ثانيها : سنة 79 للهجرة – 698 للميلاد، وهو تاريخ التأسيس الجديد والرئيسي لجامع الزيتونة على يد نفس القائد العسكري الذي هيمن نهائيّا على مدينة تونس بجيش جرّار.
-       ثالثها : سنة 114 للهجرة – 732 للميلاد، التي شهدت توسعة الجامع وإكمال ضخامته وإتمام عمارته على يد الوالي " عبد الله بن الحبحاب " الذي تولّى إمارة إفريقيّة من سنة 116هـ/734م إلى سنة 123م/741م[4]. وهذا التاريخ يؤيّده البكري في رحلته، وهي النظريّةى التي سادت أكثر من غيرها حول تاريخ جامع الزيتونة.
-       رابعها : سنة 141 للهجرة – 758 للميلاد، حيث ذكر الشيخ المصلح محمد بيرم الخامس[5] في كتابه الموسوعة " صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار "[6] أنّ جامع الزيتونة هو أوّل جامع بني بالحاضرة وكان تمامه سنة 141 حسبما كتب ذلك على أقواس بين الصلاة بالقوس المواجه لمحلّ المصحف، فنقش عليه تاريخه " اعلم ".
-       خامسها : سنة 250 للهجرة – 864 للميلاد، وهي السنة التي شهد فيها هذا المعلم زيادات في بعض أهمّ عناصره المعماريّة وزخرفتها في العهد الأغلبي وبالتحديد في عهد " زيادة الله بن الأغلب الثاني "، من ذلك إقامة قبّة المحراب على الطراز الأغلبي.
-       سادسها : ما شهده هذا المعلم من عناية فائقة وإضافات معماريّة وزخرفيّة وخدماتية في العهد الحفصي اِنطلاقا من أواسط القرن السابع الهجري وبالتحديد سنة 648 هجري – 1250 ميلادي حين أجرى السلطان الحفصي " المستنصر بالله (ت 675 هجري – 1277 ميلادي) قناة من ماء زغوان لسقاية جامع الزيتونة. كما أنّ السلطان يحيي بن المستنصر كسا الجامع وحسّنه سنة 676 هجري – 1278 ميلادي. ثمّ أمر السلطان زكرياء بعمل عوارض وأبواب من خشب لبيت الصلاة، إضافة إلى تجديد السقوف وخاصّة سقف الرواق الأوسط. وكذلك إنشاء المقصورة الشرقيّة التي بصحن الجنائز[7].
وقد تمّت في العهد الحفصي الزيادة في مساحة الجامع بإضافة الصحن المذكور في الجانب الشرقي من المعلم حيث خصّ لإقامة الصلاة على الجنائز وهو الفاتح على " سوق الفكّة "..
وقبل التطرّق إلى المحطة الأخيرة البارزة في تاريخ عمارة هذا المسجد -الجامع- وهي الفترة العثمانية بشقّيها المرادي والحسني، كان من الضروريّ أن نلقي الضوء على بصمات العهد الصنهاجي-الفاطمي وكذلك الخرساني على هذا المعلم العريق رغم هيمنة الطابع الأغلبي على البناية.
ü    إنّ الحديث عن الإسهام الفاطمي في جامع الزيتونة هو في الحقيقة الحديث عن دور أمراء الدولة الصنهاجية الذين يعملون تحت لواء ومباركة الدولة الشيعيّة الفاطمية (العبيدية) بعد خروج " المعزّ لدين الله الفاطمي " إلى مصر سنة 361 هـ/972 م. فكان أبرز إسهامهم الذي لازال شاهدا قويّا في هذا المعلم هو أساسا : قبّة البهو أو ما يعرف أيضا بقبّة المجاز التي أنشأت بأمر من أحد الخلفاء الفاطميين[8]، وهي آية من آيات الفنّ المعماري والزخرفي التونسي يرجع نمطها إلى العهد الأغلبي وبالتحديد إلى النصف الأوّل من القرن الثالث الهجري
ü    كما لا ننسى أيضا آثار العهد الخرساني في جامع الزيتونة والممتدّ من سنة 450-555هـ إلى سنة 1058-1160 م : والمتمثّل أساسا في ترميم ما تداعى للسقوط في بيت الصلاة عن طريق تعويض عمودين بواجهة المحراب بعمودين وتاجين من النمط الخرساني، إضافة إلى فتح أبواب جديدة حتّى اِرتقى عددها إلى ستّة أبواب اِحتوى البعض منها على نقيشة والبعض الآخر يخبر شكلها وتدلّ زخرفتها على اِنتمائها إلى الفنّ الخرساني.
ü    أمّا آخر الإضافات الرئيسية والمساهمات البارزة التي شهدها هذا المعلم العريق، فكانت في العهد العثماني في فترتيه المرادية (1041-1114 هـ/1631-1702 م) والحسينيّة (1120-1377هـ/1705-1957 م). فرغم تأسيس جوامعهم الخاصّة بالمذهب السنّي الحنفي، فإنّ هذا لم يمنع الحكّام العثمانيين – الأتراك من الاعتناء بالجوامع والمؤسّسات الدينيّة المالكيّة مثل الجوامع والمساجد والزوايا والمدارس      و التربات.
فالزائر للجامع الأعظم – رمز منارة المذهب المالكي- يلحظ العديد من آثار العثمانيين الأتراك، من ذلك : تسقيف الرواق الشرقي الذي عرف بصحن الجنائز في أواخر دولة يوسف داي، حيث تمّت الأشغال في جمادى الأولى 1047ه-1637م كما ورد في نقيشة داخل هذا الصحن[9].. ولا شكّ أنّ أهمّ أثر عثماني بجامع الزيتونة هو تعويض الصومعة الحفصية القديمة ثمّ المرادية -التي تداعت للسقوط في سنة 1301 ه/1892 م بصومعة عملاقة تليق بعظمة الجامع التاريخية والمعمارية، مع الحفاظ على طابعها الموحدي المالكي. وقد شكّلت هذه الصومعة التي بلغ اِرتفاعها 43 مترا رمزا شامخا لمدينة تونس العتيقة وللمذهب المالكي بالبلاد التونسية وسائر بلاد المغرب العربي.
·     أمّا الزيتونة – الجامعة أو المؤسّسة التعليميّة : فهي بدون منازع أعرق وأقدم جامعات العالمين العربي والإسلامي بل في العالم.
 فقد أصبحت تدرّس فيه العلوم الشرعيّة منذ المائة الثالثة للهجرة (القرن التاسع ميلادي) بشكل تلقائي تطوّعي في أكثر الأحيان، وذلك إلى قيام الدولة الحفصية أوائل القرن السابع للهجرة وبالتحديد من سنة 628 هـ/1230 م إلى غاية 942 هـ/1535م. حيث اِعتنى سلاطينها بالعلم والعلماء وتأسيس المدارس العلميّة[10]، وتخصيص جرايات للمدرّسين وطلبة العلم، وذلك إلى جانب اِعتنائهم الفائق بجامع الزيتونة " حيث رسخ تدريس العلوم وتشعشعت أنوارها وأخذ حالها في الانتظام بسبب ما وقّفه أهل البرّ والإحسان من الأرزاق "[11].
وبعد تفكّك الدولة الحفصية أواسط القرن العاشر الهجري / السادس عشر ميلادي، واِحتلال الإسبان للبلاد وتدهور الأوضاع، أفل نجم العلم بالزيتونة ومدارسها. واِستمرّ ذلك التدهور مع دولة مماليك الترك الدايات إلى أن اِعتلى " حسين بن علي " السلطة سنة 1117 هـ/1705م، فاستقرّت الأوضاع واِزدهر الاقتصاد وكان ذلك عاملا رئيسيّا في تنشيط الحياة العلميّة. إلاّ أنّ فتورا حدث من جديد في الحياة العلميّة إثر دوّامة الفتن التي شهدتها البلاد، إلى أن اِستقرّ الأمر في عهد أحمد باي الأوّل من 1253 هـ/1837 م إلى سنة 1271 هـ/1855 م، فانتعشت الحركة العلميّة من جديد. وإثر موجة الاستعمار الفرنسي المباشر حاولت السلطة الفرنسية إخضاع البرامج التعليمية في الزيتونة وكذلك في المدرسة الصادقية..
إلاّ أنّ وضعيّة جامعة الزيتونة زادت تدهورا بعد تقليص دورها وحجم حضورها من جامعة إلى كليّة صغيرة بحيّ "مونفلوري" بالعاصمة إثر سيطرة نظام "بورقيبة" على مقاليد الحكم بداية 1956 بل وقعت محاولات ذوبان التعليم الزيتوني برمّته وجعله فرعا بما عرف بـ " قسم اللاهوت " بكلية الآداب. لكنّ تلك المحاولات باءت بالفشل تحت ضغط الداخل والخارج رغم عمليّات التقزيم والتهميش والتضييق على إشعاعها في الداخل والخارج من خلال خطط مرحلية بدءا من سنة 1956
إلاّ أنّ جامعة الزيتونة تحاول – بعد قيام ثورة 14 جانفي 2011- إرجاع الاعتبار الحقيقي لدور جامعة الزيتونة وتوسيع اشعاعها العلمي والحضاري لتساهم من جديد للقيام بمهامها المنتظرة في مستقبل البلاد التونسية بتنشيط الحياة العلميّة والفكريّة وتكوين المرجعيات الفكرية التي اِشتهرت بها الزيتونة عبر تاريخها الطويل منذ بداية القرن الثاني هجري – الثامن ميلادي من أئمّة وفقهاء ومدرّسين وعلماء كبار الذين تخرّجوا من جامع وجامعة الزيتونة وتتلمذ لهم علماء كبار غربا وشرقا..

*****




[1]  بن الخوجة (محمد)، تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد، تح : الجيلاني بن الحاج يحيي وحمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، ط. 2، بيروت – لبنان، 1985، ص. 41.
[2]  يشير المؤرّخ التونسي المعاصر " عبد العزيز الدولاتلي " في كتابه : مدينة تونس في العهد الحفصي، أنّ تاريخ 77 هـ/696 م هو الأقرب للحقيقة. وربّما سقطت المدينة بعد ذلك التاريخ ممّا اِستوجب فتحها من جديد على يد حسّان بن النعمان في سنة 79هـ/698 م حيث أتى بجيش عتيد وضخم لترسيخ الحضور الإسلامي ترسيخا نهائيّا.
[3]  أحمد باي الأوّل : حكم البلاد التونسية من 1253 هـ/1837م إلى سنة 1271 هـ/1855م. وقد اِشتهر بإصلاحاته الجريئة وخاصّة إسهاماته في اِنتعاش الحركة العلميّة وإصلاح وتنظيم التعليم بالزيتونة والاعتناء بأوضاع المدرّسين (راجع في ذلك كتابي: الدين والدولة والمجتمع في مواقف وآثار محمد بيرم الخامس، دار الطليعة الجديدة، دمشق، سوريا، 2003، ص 148 و149).
[4]  وهو ما أشار إليه ابن أبي الدينار، في كتابه " المؤنس في أخبار إفريقيا وتونس، تح وتعليق  محمود شمام، تونس 1967، ص 40.
[5]  عرف باسم " محمد بيرم الخامس، ولد سنة 1840 م وتوفي سنة 1889م، وهو دفين القاهرة بمصر.
[6]  محمد بن مصطفى بيرم، صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار، دار صادر، بيروت، ب.ت، الجزء الأوّل، ص 121-122.
[7]  من المعلوم أنّ هذه المقصورة التي كانت تأوي المكتبة العبدليّة قد أزيلت هي والسبيل الذي كان موجودا تحتها عند آخر ترميم لجامع الزيتونة في العصر الحديث (محمد بن الخوجة، تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد، ص 54.)
[8]  يرى المؤرخ سليمان مصطفى أنّ الخليفة الفاطمي الذي أمر ببناء قبّة المجاز هو " العزيز بالله الفاطمي، لا المنصور بن زيري الصنهاجي حدّ المعز سنة 381 هجري.
اُنظر في ذلك كتابه " القباب التونسية في تطوّرها، تونس 1959، ص 20 وما بعدها.
[9]  ممّا جاء في النقيشة المذكورة : " ... فتمّ بحوله وتأييده إنشاء هذه المجنّبة الشرقية والزيادة المقبولة المستحسنة المرضية المحدثة بصحن الجنائز من أوّلها وآخرها وسقفها، وكذلك الدرج الطالع الكبير الملاصق للسّقاية والدرج الطالع الملاصق للمقصورة المولويّة العثمانية...".
[10]  مثل المدرسة العنقية والمدرسة الحديدة والمرجانية والشماعية والحفصية والمنتصرية وغيرها كثير بمدينة تونس وبكامل تراب البلاد التونسية من باجة إلى الجريد...
[11]  محمد بن الخوجة، تاريخ معالم التوحيد في القديم والجديد، تونس 1358هـ/1939م، ص.37. (اُنظر كتاب محمد الطاهر ابن عاشور : أليس الصبح بقريب، نشر الشركة التونسية للتوزيع 1967، ص. 86).

جمعية الأوقاف ودورها

               
  
 مقدمة
    لا جدال في أنّ صيانة المعالم والإعتناء المتواصل بترميمها لا تقل أهمية عن بنائها وقيمتها الحضارية والتاريخية، باعتبارها أثرا معماريا فنيا شاهدا ومترجما لإبداعات فنية كثيرة ومتنوعة يجب صيانتها وحمايتها من آفات الدّهر واعتداءات الإنسان. ذلك أنّ العمارة سواء كانت دينية أو مدنية أو عسكرية حوت جلّ الفنون إن لم نقل كلّها ، حيث وظّفت أساليب وأدوات مواد لتشكل - في تناسق بديع - تحفة معمارية شملت في كلّ عنصر من عناصرها الزخارف والألوان والخط والنقش، مع فن الإضاءة الذي أضفى على تلك العناصر بهاء وجمالا وروعة.
   
    والمحافظة على هذه المعالم - الشواهد يتطلّب بدوره دراية وخبرة علما بخصائص المكونات المادية والفنية للعناصر المعمارية وكذلك الزخرفية . فلم يكن الترميم عملا بسيطا عاديا يمكن لأي كان القيام به، بل هو فن وصناعة وحرفة لها قوانينها وأسسها. أي " إنّ عملية الترميم والصيانة ليست مجرد عملية إصلاح لما يتلف من عناصر معمارية، بل هي عملية ذات طبيعة خاصة لها أصولها وتقاليدها ". (1)  

    ولحسن الحظّ أنّ الكثير من معالم البلاد التونسية عموما ومعالم مدينة تونس بالخصوص حضيت بالصيانة والتّرميم وأحيانا بإعادة بناء أجزاء كبيرة من عناصرها المهدمة أو الخربة، وإنقاذها من الإندثار، وذلك بفضل خطة وضعتها مؤسسة الأوقاف التونسية منذ تأسيسها سنة 1874م على يد الوزير الأكبر خير الدين باشا الذي عيّن على رأسها الشيخ الزيتوني المستنير محمد بيرم الخامس (1889-1840) حيث بادر بوضع سياسة محكمة وحازمة لصيانة وترميم المعالم الدينية والمدنية والعسكرية، وإحيائها عبر الإشراف على أوقافها وإعادة ممتلكاتها وضبطها وتطوير مداخيلها حتى تتمكن من الإعتناء بها وتوفير حاجياتها، فكان الإهتمام بالموقوف عليه والموقوف على حد سواء.
   وهذا لا يعني أنّ تلك المعالم لم تكن محل عناية قبل تأسيس الجمعية وأنها متروكة لعوامل الزمن وتعديات الإنسان بصورة فوضوية، بل إنّ نظام الوقف

----------------------
(1)  جمعة أحمد قاجة ، موسوعة فن العمارة الإسلامية ، مطبعة مطابع السفير التجارية ، لبنان ، الطبعة الأولى 2000 ،   ص:455.

-5-
- الذي طبع الحياة الإجتماعية و الدينية في المجتمعات العربية   و الإسلامية منذ ظهور الإسلام –  لعب دورا كبيرا في المحافظة على الكثير من عمائرنا التراثية، إلى جانب الوازع الديني الذي حث الناس على الإعتناء بهذه المعالم خصوصا إذا كانت من صنف الحرمين الشريفين والجوامع والمساجد        و الزوايا والترب. بل ربما جازفنا بالقول إذا أكدنا أن حماية هذه المنشآت لم تختص بها مؤسسة الأوقاف لوحدها سواء قبل أو بعد تأسيس المجلس البلدي سنة 1858م بالحاضرة وانتهاء بتأسيس جمعية الأوقاف سنة 1874 م. ذلك أن شواهد تاريخية ضاربة في القدم تشير إلى أنّ الأمر لم يكن بتلك القتامة التي نتصورها، ولعل أبرز مثال على ذلك هو الدور الريادي الذي لعبته مؤسسة الزاوية – بمداخيل أوقافها الخاصة – في تعهد وصيانة الكثير من المؤسسات الدينية و المدنية التي ستكتسي فيما بعد بعدا تراثيا.

    ولا نخفي دهشتنا و إعجابنا بما قام به الولي الصالح "سيدي أبي الغيث القشاش" في القرن السادس عشر ميلادي، في هذا المجال " فقد كان هذا الأخير يحث أتباعه و مريديه و يحمّسهم للقيام بهذه المهمة الجليلة المتمثلة في بذل الجهد و المال لترميم و صيانة الكثير من المعالم بمدينة تونس           و أحوازها؛ و بفضل هذا العمل تمّ إنقاذ العديد من المعالم التاريخية، في حين كان يمكن أن يقدر لها الإضمحلال فيما لو لم توجد شخصية مثل الولي القشاش" (1).

    إلا أن الأوضاع المتدهورة التي سادت البلاد التونسية أواسط القرن التاسع عشر ساهمت بشكل جلي و مباشر في الفوضى و الإهمال التي عاشتها الكثير من المعالم و لم يسلم منها إلا ما ندر؛ وهو إستنتاج خرج به أول رئيس لهذه الجمعية بعد تقييمه لأوضاع الأوقاف بالبلاد التونسية حيث قال: " فما من وقف له شيء من الدخل قليل أو كثير إلا و يعطى لأحد ذوي التقرب  أو الإستناد لمن بيده التصرف، فتعطلت منافع الأوقاف و أهمل الموقوف عليه إلى أن خرّب أكثره ". (2) 

    ودراستنا هذه ستتناول الدّور الهام، والرئيسي الذي قامت به جمعية الأوقاف في صيانة معالم مدينة تونس طيلة مسيرتها الممتدة منذ نشأتها في 19 مارس سنة 1874 إلى حين قرار حلها في 18 جويلية سنة 1957.
----------------------
(1)  المنتصر بن المرابط بن أبي لحية الحفصي ، نور الأرماش في مناقب القشاش ، دراسة و تحقيق : لطفي عيسى و حسني بوجرّة ، المكتبة العتيقة 61 نهج جامع الزيتونة ، تونس الطبعة الأولى 1998م ، ص. 19 .    
(2)  محمد بيرم الخامس ، صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار، ط.1،المطبعة الإعلامية، القاهرة1302ه ، الجزء لثاني ، ص.62.
-6-

  ومن خلال اِطلاعنا على عشرات الملفات التي تناولت تراتيب الجمعية       وكذلك الوثائق الأرشيفية الخاصة بإصلاح العديد من المعالم، إضافة إلى      بعض المراجع المختصة أو التي لها علاقة بشكل أو بآخر بموضوع بحثنا، تبين لنا أن العمل التي قامت به جمعية الأوقاف – من أجل المحافظة على تلك المعالم – لم يكن مجرد إصلاح لما كان يتلف من عناصرمعمارية بل إن عملية الترميم والصيانة كانت تمارس طبق شروط و تقاليد وقع تقنينها حتى أضحت ذات طبيعة خاصة، لهاأصولها و قواعدها، يقوم بها جيش من الحرفيين المختصين في ميادين مختلفة مثل البنّاء والنّقاش والنجّار والبيّاض والدهّان وغيرهم من أرباب الصنائع يشرف عليهم ناظر الوقف والوقّاف     ويراقبهم متفقد الجمعية. وأنه قبل الشروع في العمل نجد أن عمليات الصيانة والترميم ترتكز على جملة من القواعد، علّ أهمّها:
 تحديد المواد التي سيقع إستعمالها والأساليب المناسبة لآستخدامها طبقا لطبيعة المعالم وخصوصياتها المعمارية و الزخرفية وغيرها من الأسس     والشروط التي يجب إحترامها.

    و لعل الهدف من هذه الدراسة هو محاولة رصد الدور الهام الذي إضطلعت به جمعية الأوقاف في إنقاذ أكبر جزء من تراثنا المعماري من حالة الخراب التي كان عليها، وإعادة إحيائه و توظيفه في أبعاده الروحية والإجتماعية والإقتصادية، خصوصا إذا علمنا أنّ للوقف أهدافا وفوائد موضوعية من حيث الحصانة التي يفرضها على الأملاك الموقوفة ضد كل أنواع التعديات مثل المصادرة والإهمال والتخريب..

وكان تأسيس الجمعية يندرج في سياق منظوم إصلاحية شاملة داخل  وخارج البلاد التونسية اجتاحت العالمين العربي والإسلامي في القرن التاسع عشر.

 لذا لم يكن من مهام هذا البحث تأريخ مسيرة جمعية الأوقاف ولا إلى عرض ما أنجزته من أعمال الصيانة و الترميم للمعالم، بل هو محاولة فهم وتحليل الآليات والأساليب التي توختهاهذه المؤسسة العريقة من أجل المحافظة على الكثير من معالمنا التاريخية والحضارية وإنقاذها من التّدهور والإندثار، والعمل على صيانتها واستغلالها بوعي نادر وفّق إلى حد ما بين مصلحة الموقوف عليه ومصلحة الموقوف عبر جدلية نفعية أفضت بدورها إلى حماية المعلم من أنواع التعديات البشرية والطبيعية وبالتالي إحياؤه وتوظيفه.
-7-

     وارتكزت دراستنا هذه على رصيد من وثائق أرشيف " وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية " وبالتحديد الوثائق الأرشيفية لجمعية الأوقاف، إضافة إلى وثائق الأرشيف الوطني وبعض المصادر والمراجع التي لهاصلة بالبحث بصورة أو بأخرى.


    ورغم مساعدة أستاذتي المشرفة الدكتورة " دلندة الأرقش " وما قدّمته لي من توجيهات منهجية وآراء مفيدة لبلورة ملامح البحث، فإنّي تعرّضت أثناء بحثي إلى بعض الصعوبات علّها تكون شافعة لي لما يمكن أن يشوب هذا الجهد المتواضع من نقائص أرجو تجاوزها في أعمال لاحقة أكثر عمقا و جدية. ويمكن تلخيصها في:

- شبه ريادة هذا البحث من حيث الموضوع وهو " دور الجمعية الأوقاف في المحافظة على معالم مدينة تونس "، وهذا النوع من الدراسة لا يلجأ فيه الباحث إلى المراجع التقليدية إلاّ ليضع الموضوع في سياقه التاريخي مع مداخل تعريفية وإصطلاحية ضرورية لمساعدة القارئ على فهم طبيعة العمل وإصطلاحاته الخاصة به. لذا وقع الإعتماد - بشكل شبه كلي – على الوثائق الأرشيفية المرتبطة مباشرة بهذا الموضوع، وهو ما يتطلب في مرحلة أولى اِنتقاء وحصر الوثائق المعنية من عشرات الإضمامات (Carton) والتي تحتوي بدورها على مئات الوثائق الأرشيفية الحاوية لمواضيع الإصلاح بمدينة تونس وأحوازها و كافة جهات القطر.
- الظروف الصعبة والإمكانيات المتواضعة التي عليها مبنى أرشيف أملاك الدولة وغياب نظام تصنيف وتسجيل عناوين الوثائق ما عدا عناوين رسومات الأوقاف! إلى جانب الحالة السيئة التي عليها الكثير من الوثائق والغبارالمكدس عليها و حواليها .. وهو ما يلزم الباحث أن يتحلى بالصبر   وبذل الجهد والوقت " ليكتشف" ضالته بعد لأي طويل.
- ضيق الفترة المخصصة للقيام بالبحث، أضف عليها رفض إدارة أرشيف أملاك الدولة اِستنساخ الوثائق..

    ولكن لم يمنعني ذلك كله من إعداد هذه الدراسة المتواضعة التي أثارت بدورها فضولي ثم تلهفي وراء كل معلومة يمكن أن تفتح آفاقا أخرى لبحث أكثر إتساعا و عمقا.


-8-

    وبعد الإطلاع والتحليل قمت برصد تمشي جمعية الأوقاف في التصدي لحالة التدهور التي كانت عليها الكثير من المعالم بمدينة تونس، وما توخته من أساليب وطرق على المستوين الإداري والفني في مجال الصيانة والترميم إضافة إلى إرساء شروط حمائية ساهمت بشكل قوي في الحفاظ على تلك المعالم.

    وعندما اِتضحت ملامح الرؤية، قمت بتقسيم دراستي على النحو التالي:

-   احتوى الباب الأول على مداخل تعريفية لمصطلح الوقف وأنواعه وأركانه و شروط الواقفين وأركان الوقف استنادا لشرعيته الدينية والتاريخية باعتباره أسلوبا خيريا اعتمده المسلمون، وتغلغل في النسيج العلائقي الإنساني بين الأفراد والمجموعات لما فيه من المحاسن والفوائد الدائمة التي ضمنت مساحة من إستقلالية المجتمع عن هيمنة الدولة بتحرير المعوزين من الفاقة والمساهمة في بناء وعمارة المنشآت الدينية والمدنية على حد السواء، وهو ما أشارت إليه أوجه الموقوف عليه بالبلاد التونسية منذ قرون عديد.
كما أشرت إلى وضعية الأحباس قبل تأسيس جمعية الأوقاف وتردي أوضاعها بسبب الإهمال والتعدي عليها من طرف أصحاب السلطة والنفوذ.

و في الباب الثاني حاولت تسليط الأضواء على نشأة الجمعية و هيكلتها الإدارية والقانونية وكذلك سياستها الجديدة، مع تقييم المرحلة الأساسية ونتائجها الإيجابية على الأوقاف. ثم تابعت مسيرة الجمعية في عهد الإحتلال الفرنسي وما أفرزته سياستها من إستغلال وإضعاف للأحباس وتشتيت لوحدة الوقف.

-   أما في الباب الثالث فقد حرصت على إبراز دور الجمعية في الإصلاح و الصيانة كوظيفة مركزية لهذه المؤسسة تقوم على قواعد وتقاليد في ترميم وصيانة المعالم وذلك من خلال التأمل في هيكلة ومهام قسم الإصلاح بالجمعية. وقد سقت شواهد من أعمال الصيانة والإصلاح التي قامت بها جمعية الأوقاف. وفي هذا السياق تابعت جهود الجمعية في معالجة أوضاع الجوامع والمساجد الخربة، وكذلك موقفها العملي من الإعتداءات التي تعرضت لها العديد من المساجد والزوايا.


-9-
-   وفي خاتمة هذا البحث أشرت إلى ما أفرزته سياسة الإحتلال الفرنسي من فصل الموقوفات عن المؤسسات التي كانت تسهر على تمويلها وتضمن استمرار وظائفها الإجتماعية والتعليمية والدينية، حتى آل الأمر في نهاية المطاف إلى حل جمعية الأوقاف في 18جويلية 1957م، ثم إحالة المعالم التاريخية إلىإدارة الآثار والفنون الجميلة لتعهدها بالصيانة والترميم.


الباب الأول :


 الوقف: ماهيته، شروطه، وأركانه.






الفصل الأول    :  ماهية الوقف وشرعيته.


الفصل الثاني   :  شروط الواقفين.



الفصل الثالث   :  أركان الوقف.


الفصل الرابع    :  أوجه الموقوف عليه في البلاد التونسية.


- الفصل الخامس  :   وضعية الأوقاف في البلاد التونسية       وإدارتها قبل تأسيس الجمعية.








*****









الفصل الأول:   ماهية الوقف وشرعيته.


الوقف والجمع أوقاف، عبارة تقابل الحبس جمع أحباس، وهو كل شيء وقف لوجه الله يحبس أصله و تسيل غلته من أرض أو عقار أو نحوه.
يقال حبّسه عليه أي وقفه عليه. و يعتبر الحبس أو الوقف نوعا من الصدقة، وهي تمليك الشيْء مجانا، تمليكا يراد به الثواب الديني، ومن ثمّ تختلف الصدقة عن الهبة (1).

    والوقف بالنسبة للشرع الإسلامي، عبادة بآعتبارها صدقة جارية، استنادا للحديث النبوي القائل: " إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ( والمقصود بها الوقف أو الحبس )، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو إليه " (2).
و هذا النظام قنّنه فقهاء الإسلام وأرسوا تفاصيل كيفيته وشروطه وقواعده وأنواعه استنادا إلى ممارسات الأوائل من الصحابة والتابعين. من ذلك أن|أول من وقّف صدقة في تاريخ الإسلام بعد النبي عليه الصلاة والسلام هو عمر بن الخطاب حينما تصدق بأرض له بعد استشارة النبي صلى الله عليه وسلّم الذي قال له: " إن شئت حبّست أصلها وتصدقت بها "؛ فكانت صدقة هذا الصحابي إلى الفقراء وذوي القربى من المحتاجين وآبن السبيل، على ألاّ تباع ولا تورّث ولا توهب..(3).

    وقد انتشرت هذه الممارسة لمّا كتب "عمر بن الخطاب" كتاب وقفه في خلافته داعيا نفرا من المهاجرين والأنصار ليحضروا ذلك و يشهدهم عليه.  و من ذلك ذاع الخبر بين الناس وأقبلوا على وقف بعض أموالهم، حتى قال الصحابي جابر حينذاك  "لم أعلم أحدا كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبّس مالا من أمواله صدقة مؤبّدة لا تشترى أبدا ولا توهب               ولاتورث " (4).
وبذلك اتخذ المسلمون الحديث النبوي في وقف "عمر بن الخطاب" مستندا في مشروعية الوقف.
----------------------
(1)  القاموس الإسلامي ، المجلد الثاني ، وضع : أحمد عطية االله ، مكتبة النهضة المصريّة ، القاهرة ، محرّم 1386هـ / ماي 1966 م، ص.27
(2)   الحديث مشهور ، رواه مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي عن أبي هريرة.
(3)   راجع تفاصيل الحديث في صحيح البخاري) الجامع الصحيح، دار الفكر،بيروت،طبعة بالأوفست، د.ت(.
(4)   كتاب الوقف في الشريعة الإسلامية ، (بدون مؤلف) ، منشورات المكتبة الحديثة / طرابلس – لبنان ، بدون تاريخ.

-12-

 إلا أن الوقف من الناحية الشرعية له ناحيتان:
أولا: من حيث كونه صدقة تبذل في سبيل البر والخير، وذلك إستنادا للحديث الذي أوردناه.
ثانيا: من حيث فوائده الكثيرة، ومنهاأهمها التقربّ إلى الله ببذل المال                   و الصدقات المستمرة وكذلك حماية الثروة من البيع والرهن، وضمان للأسر من الإحتياج، ومنع سوء التصرف من أبناء الواقف، وحماية الموقوف عليه من التدهور والضياع بتمويل حاجاته بصفة دائمة.. وعموما " فإن أفضل الصدقات – كما قيل – أدومها بقاء وأعمّها نفعا ، ثم أشدها حاجة " .

     وقد شهد التاريخ الإجتماعي الإسلامي على مدار القرون استباقا لفعل الخيرات(1) عن طريق الوقف بأنواعه المختلفة، لما فيه من المحاسن الدائمة   والفوائد الجمّة، سعيا وراء المثوبة من الخالق في الدنيا والآخرة. ولعلّ أبرز فضائلها هي تحرير الفقراء والمعوزين من شرور الفاقة والإستجداء حفاظا على كرامتهم، وكذلك بناء وعمارة المنشآت الدينية والمدنية من جوامع ومساجد وترب ومدارس العلم والتعليم والتكايا والمستشفيات وملاجئ اليتامى وغيرها من المحاسن التي لا زالت شاهدة على هذا الأسلوب الخيري بآعتباره ركيزة أساسية من ركائز تأسيس وصيانة العديد من المؤسسات العلمية والإجتماعية والإقتصادية إلى درجة أنه كاد يهيمن على نواحي الحياة المختلفة في المجتمعات العربية نظرا لتغلغله في النسيج العلائقي الإنساني بين الأفراد والمجموعات والمدن والأرياف.













-13-

الفصل الثاني:  شروط الواقفين

المراد بها هي الشروط التي يضعها الواقفون في عقود أوقافهم لتكون بمثابة الوصية أو القانون الذي يعمل بما جاء فيه في تلك الأوقاف. وقد توسعت المذاهب الفقهية في ذلك وأفتت بأحكامها في هذه المسألة وقامت كذلك بتحريم الشروط المناقضة لمقاصد الشريعة في العدل والمواساة بين الناس.

ففي المذهب المالكي:
نذكر بالخصوص ما جاء في كتاب "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل"
وقد اتفقت المالكية على انّ إشتراط منع البنات مطلقا من الوقف أو منعهن إن تزوجن هي من الشروط الممنوعة بل المحرمة.


ويمكن إيجاز آرائهم في:

أ- أنّ الوقف يفسخ، وإن حازه الموقوفون عليهم.
ب- أنّ الوقف يفسخ ويرجع لمالكه ما لم يحز عنه، فإن كان قد حيّز عنه لم يفسخ للُزوم العقد بتمام أركانه، وإن كان ذلك لا يمنع الإثم والكراهة.
ج- أنه يفسخ و يدخل فيه البنات وإن حز عنه لأنه منع لحقهن، فيفسخ لرد حقّهن إليهن.
د- أنه يفسخ و يدخل فيه البنات ما لم يحز عنه، فإن حيّز عنه لم يدخلن إلا    برضا المحبوس عليهن.
هـ- أنه لا يفسخ ولا يدخل فيه الإناث وإن لم يحز عنه إلا برضا المحبوس عليهم. (1)

     مع الملاحظ هنا أنه لا يشترط على قول الإمام مالك وأصحابه أن يكون الوقف مملوكا للواقف وقت الوقف. فلو قال " إن ملكت دار فلان فهي وقف" فهي وقف وملكها صح وقفه هذا. وأما عند غير مالك وأصحابه من الأئمة الآخرين، فيشترط أن يكون الموقوف مملوكا للواقف ملكا باتا في الحل، فإن لم يكن كذلك كان الوقف باطلا(2).

----------------------
   (1) استنادا للآية القرآنية " ولكل وجهة هو مولّيها فآستبقوا الخيرات " – البقرة ،148.


-14-


شروط الواقفة في المذهب الحنفي:

أ-   كل شرط يخل بحكم الوقف ويؤثر في أصله كتوقيت الوقف واشتراط الرجوع فيه أو بيعه ورهنه، فهو يبطل الوقف والشرط جميعا. وقيل يكون الوقف صحيحا والشرط باطل استحسانا.
ب- كل شرط لا يخل بحكم الوقف – وهو اللزوم والتأبيد – لا يؤثر في أصله، لكنه يوجب تعطيلا أو إخلالا بالإنتفاع. وفي هذا القسم يصح الوقف     ويلغى الشرط.
ج- كل شرط خلا مما تقدم – ولو كان مباحا – لا قرابة فيه و كان ذريعة في الوقوع في الخطيئة كشرط عدم الزواج و نحوه.

  فنستخلص من هذا أنّ الأحناف قرّروا أنّ الشروط المخالفة للمبادئ الشرعية لا تستحق شرعنة دينية بمعنى فتوى شرعية تقرها، وتجب مخـالفتها كإقرار
الواقفين شروط العزوبة في الإستحقاق و اشتراط الغلة للزوجة على ألا تتزوج.. لذا يجب مراعاة نصوص الشريعة الآمرة بالعدل. 

الشروط في المذهب الحنبلي:
فهي تستند على القاعدة الفقهية التي اقرها ابن تيمية(1) في " أنّ الأصل في العقود والشروط عدم التحريم، وأن انتقاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم و أنّ الأدلة الشرعية تقضي بالوفاء بالعقود والشروط جملة، إلاّ ما استثناه الشارع " (2). ويؤكد هذه القاعدة ما قاله ابن قيم الجوزية من أنّ كل شرط يخالف أمرا مقررا في الشريعة أو أصلا من أصولها أو يجر على إثم يجب إبعاده عملا بالحديث الشريف " ما لي قوم يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق" (3).



----------------------
(1)  مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمان بن قاسم النجدي الحنبلي، دارعالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، 1991.
(2)   مختصر العلامة خليل ، تصحيح أحمد نصر، المكتبة التجارية الكبرى، مصر 1972.
(3)   يكن زهدي ، قانون الوقف الذري و مصادره الشرعية في لبنان ، مكتبة صادر – بيروت 1947 ،                    ص.ص: 41-40.

-15-


الفصل الثالث:  أركـان الوقـف

إنّ الأركان أو الشروط التي يجب تحقّقها لصحة الوقف هي أربعة:

- أولها تخص الواقف: وهي أن يكون الواقف أهلا للتبرع أي بالغا عاقلا    وغير سفيه أو غير محجور عليه بسبب الدين والتمليك، وأن يكون مالكا لرقبة الشيء الذي حبسه، ويكون مسلما.
 - ثانيها شروط الصيغة التي ينعقد بها الوقف: وهي أن يكون الوقف منجزا أي غير معلق على شرط غير كائن في الحال، وأن يكون الوقف غير مضاف إلى ما بعد الموت كما لو قال: " داري هذه موقوفة بعد موتي "فتلك وصية وليست وقفا، وأن تكون الصيغة غير مؤقتة بوقت لأن اِشتراط ما يمنع التأبيد يبطل الوقف. وأن لا يكون في الصيغة خيار شرط للواقف كأن يقول مثلا:   " وقّفت أرضي الفلانية على ان لي الخيار "فذلك يبطل الوقف. وأن لا يكون في الصيغة شرط يؤثر في أصل الوقف، وأن تكون الصيغة مشتملة على التأبيد لأنّ هذا الأخير شرط لازم لجواز الوقف.
- ثالثها شروط متعلقة بالموقوف: وهي أن يكون الوقف مالا متقوما، وأن يكون معلوما وقت الوقف، وأن يكون الموقوف مملوكا للواقف وقت الوقف.
- رابعها شروط متعلقة بالجهة الموقوفة عليها: وهي أن يكون الوقف تقرّبا إلـى الله تعـالى وأن يكـون الواقف نفسه يعتقد ذلك، ولا يشترط أن يكون الموقوف عليه والواقف من دين واحد حيث يجوز للمسلم أن يقف غلّة عقاره الموقوف على فقراء غير المسلمين وبالعكس (1).

أما صيغة التحبيس فتصدر عن المحبّس، وهي قوله: "حبّست أو وقّفت "   ومعناها التأبيد، أو أن يقول: " تصدقّت صدقة مؤبدة " أو يجعله على جهة لا تنقطع كالمساجد والفقراء.






 ----------------------
 (1) الوقف في الشريعة الإسلامية ، ص.ص.31-30.

-16-
الفصل الرابع: أوجه الموقوف عليه في البلاد         التونسية.

   لقد تنوعت أبواب البر في الوقف العام وضبطت أحكامها الشرعية من واجب ومندوب ومباح ومكروه وحرام، و رتبت على أبواب و فصول منها:

ألفاظ الوقف وأهله و محله و حكمه/ وما يتوقف/ و اِشتراط قبول الوقف     وعدمه/ وفي غرس الواقف أو غيره الأشجار أو بناؤه في الوقف/ أحكام في وقف المنقول كالكتب والآلات والأمتعة / وفي الوقف الباطل وفيما يبطله/ وفي بيان وقف المريض والوقف المضاف إلى ما بعد الموت وشرط رجوعه إلى المحتاج من الأبناء / وفي إقرار المريض بالوقف / وفي إقرار الصحيح بأرض في يده أنها وقف / وفي شروط الولاية على الوقف/ وفي إجارة الوقف ومزارعته ومساقاته / وفي بناء المساجد والرباطات والسـقايات والدور والخانات وجعل الأرض مقبرة/ وفي الشهادة على إقرار الواقف بحصته من الأرض / وفي حكم الأوقاف المتقادمة ومات شهوده/ وفي وقف الرجل على نفسه ثم على أولاده ثم على الفقراء والمساكين / وفي ذكر الوقف على أولاده وأحفاده ونسله وعقبه أبدا / وفي فيما لو شرط في الوقف على أولاده / وفي الوقف على أهل بيته وآله وجنسه/ وفي الوقف على الصلحاء من فقراء قرابته أو الأقرب فالأقرب أو الأحوج فالأحوج منهم / وفي الوقف على قوم بتقديم بعض على بعض/ وفي الوقف على قوم على أن يفضّل أو يخص أو يحرم من شاء منهم أو يدخل منهم من شاء وفي أن يعطيه لمن شاء من الناس / وفي الوقف على فقراء جيرانه أو على زيد مدّة معلومة ثم من بعدها على غيره ثم من بعدها على المساكين.. وغيرها من الأحكام الضابطة للوقف و شروطه (1).

   لقد كانت أبواب البر من الوقف كثيرة ومتنوعة شملت تقريبا جل أوجه البر و ذلك مثل:

 -1الوقف على أشخاص بعينهم : مثل تحبيس بعضهم على أولاد أخيه مع وجود أبناء له ، أو كذلك على الأحفاد أو على الزوجة.
----------------------
(1)   آنظر مثال لتفاصيل تلك الأبواب و الفصول في كتاب : الإسعاف في أحكام الأوقاف ، تأليف : برهان الدين إبراهيم الطرابلسي ، طبعة هندية ، القاهرة ، الطبعة الثانية ، سنة 1320 هـ - 1902 م.


-17-


2- أحباس الفقراء : وقد وجدت بتسميات مختلفة مثل أحباس فعل الخير     والبر وأحباس الضعفاء وأحباس الفقراء والمساكين.
 وقد ملأ هذا الوجه من وجوه البر فراغا على مستوى التشريع الإجتماعي للسلطات الحاكمة التي لم تهتم بمـا يسمـى اليوم بالكفالة الإجتمـاعية أو التضـامن الإجتمـاعي أو الإعانات الإجتماعية. واِنطلاقا من الوازع الديني اِهتم الأغنياء بأحوال الفقراء وعملوا بطرق البر الكثيرة على تخفيف ما يعانونه من إحتياج وبؤس خصوصا في السنوات العجاف التي عاشتها البلاد التونسية(1).
ونشير هنا إلى أنّ الفقهاء أفتوا بصرف الأحباس إلى الفقراء عند جهل مستحقها، كما صرفوا لهم الأحباس التي يغفل عن ذكر مرجعها.
وإذا كانت جل عقود أحباس الفقراء تحتوي على عبارات عامة في كيفية صرفها للفقراء، فإن بعضها قد ضبط بعبارات دقيقة طريقة التصرف، وذلك مثل الأحباس الشهيرة لـ"عزيزة عثمانة" التي عينت مبلغا من المال يشترى به خبزا يقع توزيعه على الفقراء أيام شهر رمضان.
كما نجد أن حفيدتها لإبنها المسماة " فاطمة عثمانة "(2) قد خصصت مبلغا ماليا لشراء الخبز للفقراء طيلة شهر رمضان أيضا، شريطة أن يقع توزيعه عليهم على باب ضريحها. كما خصصت أيضا مبلغا آخر لشراء      "الزلابية  "( (3للفقراء أيام المواسم والأعياد من كل عام(4).
هذا وقد جرت عادة جمعية الأوقاف - من بعد وصيّة "علي باي"(5) - بصرف صدقته يوم ختم أحاديث البخاري في 27 رمضان بالتربة ويوم ختم في 28 رمضان بالمدرسة الحسينية الكبرى، جرت بصرف الإعانة أيام عيدي الفطر والأضحى والمولد النبوي الشريف على المستحقين من فقراء وأيتام وأرامل وعجز ومعوقين، وذلك بعد حضور عدلين ونائب من الجمعية وممثل للقاضي.

3- أحباس التكية : وهي مأوى العجّز الفقراء حيث يقع توفير الطعام لهم    واللباس وكذلك العناية الصحيّة.
-------------------
 (1)  هذه الأحباس موغلة في القدم ، حيث يرجع بعضها إلى عدة قرون من ذلك عقد بتاريخ ذي القعدة سنة 774 هـجري الوافق لشهر نيسان-أفريل من سنة 1372 ميلادي ، كان قد نفذه بعضهم تبعا لإرادة أخته التي أوصت بشراء عقّار يحبّس على الفقراء (راجع في ذلك خزينة أملاك الدولة – وهي وثائق جمعية الأوقاف سابقا- كرتون وقف الجامع الأعظم بصفاقس. عن دراسة قدمها الباحث أحمد قاسم للمعهد الفرنسي للدراسات العربية ، بعنوان : " الوقف في العالم الإسلامي ، أداة سلطة اِجتماعية  و سياسية " ، تقديم راندي ديغيليم و أندري ريمون ، دمشق 1995 ، ص.23) .
 (2)  الشيباني بنبلغيث، فصول في تاريخ الأوقاف في تونس من منتصف القرن التاسع عشر إلى 1914 ، مكتبة علاء الدين، صفاقس2003 ، ص:19.
(3)   " الزّلابية " : نوع من أنواع الحلويات التي يقع إستهلاكها في شهر رمضان إلى جانب " المخارق " و " المقروض ".
(4)  الأرشيف الوطني ، وقف الفقراء والمساكين ، صندوق5 ، ملف 3
 (5)   علي باي بن حسين باي حكم البلاد التونسية من سنة1148هـ/ 1735م إلى سنة1170هـ/ 1756م.
  -18-

4- أحباس الختان : خصّصت لختان الصبيان الفقراء مع كسوتهن المكونة من شاشية و قميص و صدرية و نعل، إضافة إلى أجرة الخاتن. من ذلك وعلى سبيل المثال أنّ " علي باي بن حسين " خصّص مبلغا لختان مائة صبي سنويا، مراعيا في ذلك كسوتهم و أجر الخاتن.
 كما توجد أحباس لختان الداخلين في الدين الإسلامي وتقديم الكساء الإسلامي المكون من قميص وغليلة وسروال ونعل وبرنس وشاشية.

5- أحباس البنات الأبكار : اعتنى المحبسون بتوفير جهاز البنات الأبكار الفقيرات واليتيمات وتزويجهنّ. وقد كثر هذا النوع من التحبيس حتى عين لها وكيل خاص.

6- أحباس فطر الصائمين : وذلك في شهر رمضان بآعتباره شهرا مقدّسا يتقرب فيه إلى الله بإجراء الصدقات بالتحبيس على فطر الصائمين من التمر و الخبز و غيره.

7- أحباس السقايات : وهي اِستجابة لمشكلة ماء الشرب التي كانت تعاني منها البلاد التونسية. لذا حرص المحبسون - ومنهم الحكام- على توفير ماء الشراب بتحابيس على نقاط الماء كالآبار والعيون وملء الفسقيات، وتسمّى   "أوقاف السبل ". وقد شهد مطلع القرن التاسع عشر عدّة منشآت مائية بمدينة تونس يستق منها الناس، مثل أسبلة ربض باب سويقة الجاري ماؤها من بئر العلجية، وفسقية باب حومة العلوج، و كذلك أسبلة ربض باب الجزيرة الجاري ماؤها من بئر التهامي، كما أن هناك فسقيات الملاسين وبئر الملاسين وبئر ميضأة المركاض. وأقيمت فسقيات كثيرة في أحواز العاصمة مثل التي فـي سيدي بوسعيد وسيدي داود ومنّوبة..وغيرها كثير، وكلها عليها أحباس عيّنت جمعية الأوقاف وكلاء عليها.

8- المارستانات : حبّس كثير من ذوي اليسار أحباسا للقيام بشؤون التطبيب من طبيب وأدوية وأدوات التطبيب والطعام والكسوة والفراش.. ولعلّ أشهر المارستانات بتونس" بيمارستان العزافين " الذي أقامه" حمودة باشا   المرادي " (1)
------------------
 (1) آنظر تفاصيل ذلك في كتاب "المؤنس في أخبار إفريقيا و تونس" ، لأبي عبد الله محمد بن أبي القاسم الرعيني القيرواني المعروف بآبن أبي الدينار ، تحقيق محمد شمام ، تونس 1967 ، ص:240.
 والملاحظ أن هذا المارستان ترك مكانه للمستشفى الصادقي، عزيزة عثمانة حاليا، حيث كان العلاج فيه مجانيا للفقراء دون الأغنياء.

- أحباس أكفان الموتى : كما وجدت أحباس أكفان الفقراء وكذلك أكفان الغرباء وما يحتاجونه من دفن وغير ذلك.

10- أحباس السّجناء : حبّس بعض الناس على سجناء القصبة لتصرف على طعامهم خصوصا في شهر رمضان. وقد أشار الشيخ محمد بيرم الخامس أول رئيس لجمعية الأوقاف أن بالعاصمة سجنين ولكل منهما حبسه وريعه.

11- أحباس الحرمين و الحجيج و المكّاويون : هناك أحباس خاصّة بالحرمين الشّريفين مكة والمدينة، وتجمع أموالها وترسل إلى مستحقيها في مكّة والمدينة كل سنة بمناسبة موسم الحج وتدعى بـ"الصرّة(1)"            حيث عرفت البلاد التونسية بإرسالها للصرة لعدة قرون عديدة. ويصرف جانب من هذه الأموال في تونس على الوافدين على البلاد من أهل مكّة والمدينة وعلى من يستقر منهم في تونس جرايات شهرية من أوقاف الحرمين.
كما اِنتشرت في بلاد الجريد بالجنوب التونسي أحباس كثيرة يصرف ريعها على المغاربة المتوجهين للحرمين بإطعامهم وتزويدهم بالمؤن وما يحتاجونه من مواد في سفرهم للحج.

12- أحباس الشعائر : اِهتمّ المحبّسون بأماكن العبادة من مساجد وجوامع           وخصصوا لها مصاريف من ريعها لإصلاحها و شراء الحصائر لفرشها على أرضيتها وكذلك المصابيح لتنويرها وتوفير الزيت لها وتكليف الوقّادين بتلك المهمّة، إلى جانب الإهتمام بشؤون القائمين عليها من أئمة ومؤذنين ومنظّفين.

13 - أحباس الزّوايا : كثرت أوقاف الزوايا بانتشار زوايا أضرحة الأولياء  وزوايا الطرق ، لكن كانت لها أبعاد إجتماعية ذات طابع ديني ، فهي مأوى للمسافرين ومؤسسات للتعليم الديني وإطعام ذوي الحاجة وملجأ للضعيف     و المكسور الخاطر. لذا تعتبر الزوايا أكثر إستقطابا للمحسنين طلاّب الأجر والثواب، فكانت هذه المؤسسات قد عملت على توفير الإقامة لطلبة العلم    وعلى إطعام المساكين وعابري السبيل.
----------------------
(1) الصرّة : المال المتجمع من مختلف الأحباس الموقوفة في البلاد على الحرمين الشريفين، والذي يرسل إلى أهاليهما بمناسبة موسم الحج. ( راجع كتاب " أوقاف الحرمين الشريفين بالبلاد التونسية: 1881-1731 "، التليلي العجيلي، تقديم: عبد الجليل التميمي، منشورات: مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، زغوان – جانفي – كانون الثاني 1998 ).

-20-


14- أحباس المدارس والكتاتيب : لقد أوقف الناس أوقافا كثيرة على القطاع التعليمي ، فكان الإهتمام بالمدرّس والتلميذ ومكان التعليم من كتاتيب       ومدارس بناها أهل البرّ حيث اِنتشرت في كل مدينة وقرية وحتى في الأماكن الريفية والصحراوية النائية التي كانت تركز بالخصوص على التعليم القرآني، و لو أنها لم تهمل العناية بالعلوم الشرعية واللغوية. كما توفر هذه المدارس الطعام لساكنيها أو تصرف لهم رواتب، كما يوزع بعضها على الطّلبة أكباشا بمناسبة عيد الأضحى. ونشير هنا إلى أن بعض الطلبة لهم دخل إضافي غير جرايات المدارس وهو رواتبهم من الأحزاب أي قراءة الأحزاب القرآنية في الجوامع و الترب.
وقد أحدثت الدولة الحسينية أواخر القرن التاسع عشر مدرسة الصادقية، فأحكمت تنظيمها وجرت في مصاريفها على الطريقة التقليدية المعتمدة على الأحباس، فحبست عليها الدولة و حبّس عليها الخواص، حيث وصلت أحباسها إلى أكثر من 211 عقارا. (1)

15- الدفاع : ورد ذكر أحباس " المجاهدين أو الغازين من سبيل الله " في العديد من السجلاّت وذلك بالخصوص في تونس والمهديّة وصفاقس          و السّاحلين والقلعة الصغرى. كما حبّس الآس على الأسوار والأبراج         و القشل (الثكنات) والمنارات لهداية البحارة..

16- أحباس مختلفة : وهو في حقيقة الأمر أحباس محدودة الحجم ذات مبادرات واِجتهادات شخصية، تفاعلت مع محيطها الثقافي والإجتماعي، لكنّها
تترجم عن أبعاد إنسانية وحضارية لهؤلاء المحبسين شملت نواح عديدة منها الإعتناء بالحيوانات الأليفة كالقطط والحيوانات المريضة والهرمة العاجزة عن الرعي بنفسها، وقد جاءت تحت تسمية "أحباس البكمات".
 كما شملت هذه الأحباس أنواعا من الآلات والأثاث والأدوات ليقع إستغلالها بصفة جماعية، وذلك مثل "حبس الرمّان" أي آلة الوزن، و" حبس السكّين" لكراء آلة شحذ السكاكاين لذبح الأضاحي دون مقابل، و"حبس الزيت للإضاءة" وذلك بتحبيس كمية من الزيت على إضاءة الميضأة في المسجد؛   و "حبس البركوس" وهو حبس لشراء الخرفان والتصدق بها على العائلات غير القادرة على شراء كبش عيد الأضحى.
---------------------
(1)  كان ذلك في29 محرم 1299هـ الموافق لـ:21 ديسمبر 1881م. (الأرشيف الوطني، السلسلة التاريخية، إضمامة 64، ملف 743 ).

-21-

وكذلك "حبس الكوز" وهو أن من كسّر وعاء الزيت من الفخار لصاحبه يدفع عنه الحبس المذكور ثمن الكوز و ما فيه؛ و"حبس البرنوس": فهناك من حبّس برنسا للمؤذن ليلتحق به عند صعوده الصومعة أيام الشتاء الباردة، و"حبس العصيدة" في المولد النبوي حيث أوقف البعض حبـسا لشراء القمح والطحين والزيت والعسـل ويصنع منه عصيدة فـي أيـام موسم المـولد النبوي الشريف ويوزّعها على المحتاجين؛ هذا إلى جانب أحباس على المولد النبوي لدفع أجور القراء الذين يتلون قصة المولد وتلاوة دلائل الخيرات بالجوامع وذلك صبيحة يوم 12 ربيع الأول من كل سنة هجرية.

وقد أشار الشيخ محمد بيرم الخامس في مصر وعبر مقالاته الطويلة على صفحات جريدته "الإعلام" إلى وضعية الأوقاف، " وأعمال السّلف الصالح     و أهل البر و الإحسان من المتقدمين الذين لم يتركوا سبيلا لعمل الخير إلاّ جدّوا إليه و أقبلوا عليه و تنافسوا فيه "(1).
 فذكر عجائب أعمال البر التي أفرزتها آلية الوقف في التاريخ الإسلامي     " حتّى أنه ليستولي العجب على من يطّلع على سجلات الأوقاف. إذ يرى كيف أرصد الواقفون أموالهم لوجوه البرّ المختلفة ومصارف الخير المتنوعة التي ربما لا يخطر بعضها بالبال قبل نظر السجل مثل وقف الخوض(2) والريحان الذي ترصف غلاّته في شراء خوض وريحان ليجعل على قبور الموتى؛ ومثل وقف الحدأة(3) الذي يصرف إراده في تعويض ما تخطفه الحدأة
من المأكولات المحمولة على رؤوس الناس في الطرق ولا سيما الخدم       والأطفال الذين يطالبون بما فقد منهم، ومثل وقف الهرّة الذي يصرف ريعه في شراء أغذية للقطط من الكروش والأحشاء... " (4).







----------------------    
(1)  علي الصولي، الدين والدولة والمجتمع في مواقف وآثار محمد بيرم الخامس ، دار الطليعة الجديدة، دمشق – سوريا،     2003 ، ص.ص : 228-226.
(2)   الخوض: ورق النقل و المقل و النارجيل و ما شاكلها (المعجم الوسيط، دار الأمواج، بيروت1987، ص.262
(3)   الحدأة: طائر من الجوارح ينقضّ على الجرذان و الدواجن والأطعمة و نحوها، يقال: " هو أخطف من الحدأة " (المرجع السابق، ص.159).
(4)   جريدة " الإعلام " ، العدد 208 ، القاهرة، بتاريخ 17 صفر 1305هـ / 3 نوفمبر 1887م.
-22-

  الفصل الخامس:

    وضعية الأوقاف في البلاد التونسية وإدارتها
    قبل تاسيس الجمعية.


    كان لمطلق الوقف حرمة مستمدة من الأصول التي ذكرناها في المدخل التعريفي، وكذلك من مبدأ حرية التصرف و اختصاص المالك بما يملك وتصريفه حسب إرادته. و كانت له أهداف وفوائد موضوعية من حيث الحصانة التي يفرضها على الأملاك الموقوفة ضد التحديات التي كان تجابه الملك العقاري      - وهو موضوع بحثنا -.

ولا شك أن الوقف العام - و هو الذي يهمنا في هذه الدراسة - قام بدور رئيسي في حماية الكثير من المعالم الدينية والمدنية والعسكرية وذلك مثل إقامة وصيانة المؤسسات الدينية كالجوامع والزوايا والمدارس القرآنية وكذلك المؤسسات المدينة الخيرية مثل التكايا وأنواع البر المختلفة مثل الأسبلة، وأيضا العسكرية مثل الأسوار والقشل والأبراج..
 فلو لا وجود نظام الوقف لزالت العديد من المعالم التي نشاهدها اليوم كشاهد تاريخي وحضاري وفني تضيء لنا وعينا التاريخي وترسخ فينا جذور الهوية والتواصل.

 كما لا ننسى أن الوقف المشترك لعب دورا من نوع آخر يتمثل بالخصوص في البعدين الاجتماعي والإنساني، فكانت الزوايا باعتبارها محطات تربط الصلة بين المـدن والقرى تقوم بإيواء المسافرين وحمايتهم من هجمات قطاع الطرق إضافة إلى دورها في نشر المعرفة والتربية في العصور الماضية.

 إن أقدم ما وصلنا عن نظام الأحباس وترتيباته بالبلاد التونسية هو ما أشار إليه الباحث المؤرخ "الهادي روجي إدريس" في كتابه " الدولة الصنهاجية"(1) إلى احتمال وجود خطة النقيب وهو شخص مكلف بصيانة المسجد وإدارة أوقافه.

---------------------
   (1) روبر برنشفيك، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي، تعريب حمادي الساحلي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط.أولى،1988،    ص.ص198-195.

-23-
   وفي العهد الحفصي: كان نظام الأوقاف معمولا به على نطاق واسع في إفريقية الحفصية. وخلال القرن الخامس كان يوجد في مدينة تونس " مدير أوقاف رسمي " مكلف بإدارة الأوقاف العامة جزئيا أو كليا مثل المساجد والجوامع والمساكن والمدارس وأضرحة الأولياء والميضات وكذلك الأسوار.

    أما الأوقاف الخاصة فقد كانت كثيرة ومتشعبة إلى درجة أنها لم تكن كلها خاضعة لمثل تلك الرقابة والمتابعة الدقيقة من قبل إدارة الأوقاف التي لا تتدخل إلا
في حالة حصول خطأ واضح أو نزاع على وقف خاص ويكون ذلك عادة عن طريق القضاء الشرعي.

     وفي العهد العثماني:  حصلت بمدينة تونس تغيّرات عمرانية هامة إلى دخول الرأسمالية الأروبية، صاحبها تطور إقتصادي وهو ما سوف يساعدنا بدوره على فهم الإستراتيجية التي خضع لها سكان مدينة تونس في سياسة تملك العقارات وكيفية إستغلالها.
فالمصطلحات الفقهية التي وقع إستعمالها في تلك الفترة لتقنين وضبط طبيعة تنقل الملكيّّة العقارية وتداولها بين الناس، جديرة بالدراسة، من ذلك أن العبارات المستعملة في وثائق الفترة المعاصرة وبالخصوص في ماحوته سجلاّت العدول في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، قد حددت العناصر المكونة للثروة العقارية مثل كلمة " العقارات " )جمع عقار( والرباعات )جمع رَبع(، فالأول يعني الأراضي الفلاحية منها والبيضاء، أما الثاني فكان المقصود به كل أنواع المباني المستغلة للسكنى أو التجارة مثل الدار والحانوت والمخزن..(1).

- أما خلال الفترة الحسينية: فإن الملكية العقارية طبعت بالتحولات السريعة والمتسارعة على المستويين الإقتصادي والسياسي، تجسّمت في الولوج القوّي للرأسمالية الأروبية وتبعاتها الإجتماعية والثقافية.
وبذلك اِنتقلت الممتلكات العقارية من توظيفها كبناية للسكنى إلى قيمة سلعية. وبالتالي أصبح مصطلح "الرَّبع" يعني كل الممتلكات الحضرية بدون إستثناء مثل عقارات السّكنى كالدار والعلو والبيت والسرايا..إلخ.. وكذلك ملحقالتها مثل المخزن والروى (الإسطبلات)، إلى جانب البنايات الأخرى ذات الطابع الإقتصادي بصفة عامة كالحوانيت والفنادق والحمامات والمخابز (كوشات) وأفران الجير (كوشة الجص)..
---------------------
(1)   حول تطور السيميائي لمصطلح الرّبع و العقار ، آنظر كتاب عبد الحميد هنية بعنوان :
      " Pratiques sociales et appropriation dans le milieu tunisien " –
       فصل بعنوان: 
       " Nature économique de la propriété immobilière dans le milieu Tunisois " p.p.239-268     

 
-24-
- وفي العصر الحديث: شهدت مدينة تونس تغيرا تدريجيا في طبيعة مصادر مداخيل الطبقة الحاكمة بصفة عامة. فالأرض أصبحت من أهم الموارد الرئيسية، و التي أفرزت بدورها ظهور تغيرات على مستوى المصطلحات العقارية، وهي نتيجة مباشرة لتلك التغييرات الإقتصادية التي طرأت على الأملاك غير المنقولة في الوسط الحضري لمدينة تونس والمكانة التي تحتلها تلك الثروة العقارية نظرا للأداءات الموظفة عليها مثل " أداء السور" و فيما بعد " أداء الخروبة ".
للتذكير فإن مدينة تونس شهدت - خلال العصر الحديث – عاملين متكاملين ساهما بشكل فعّال في تنشيط الحياة الإقتصادية وإضفاء حركية على المدينة:
بإعتبارها – من جهة – سوقا حضريا ضخما اجتذبت المواد الفلاحية والصناعات التقليدية للإيالة التونسية، و كذلك مركزا مهما للعمليات المالية المرتبطة بالخصوص ببيع و كراء العقارات، وهو ما أعطى دفعا قويا لنمو مدينة تونس،   ومن جهة أخرى أضفى حركية في تداول هذه المواد وتبادلها في إطار التجارة العالمية التي ساهمت في تسريع نسق التبعية تجاه الدول الأروبية التي أغرقت الإيالة في قروض لازالت تتراكم يوما بعد يوم.               
وهذه التغييرات الكبرى انعكست بدورها على الفضاء الحضري لمدينة تونس بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر الذي شهد بدوره إقبالا كبيرا على السكن بتونس، حيث كانت من أسبابه كما من مظاهره الضغط الديمغرافي (1)  وندرة الأراضي البيضاء (2) داخل المدينة (3) إلى درجة أن البعض بنوا دورهم على اماكن كانت مخصصة لوضع الأوساخ . والنتيجة أن ارتفعت أسعار الكراء    والأراضي المخصصة للبناء بشكل كبير.

وإذا كانت مدينة تونس قد هجرها معظم سكانها القدامى، فإنها في المقابل كانت تستقبل أعدادا كبيرة من وافدين أجانب ومن داخل البلاد. وفي خضمّ هذه الحركيّة التي راوحت بين الهجرة من وإلى المدينة، شهد عدد كبير من المباني إهمالا وبالتالي خرابا بسبب هذه الهجرة القوية لهؤلاء الناس ذوي الأوضاع الإجتماعية المتدنيّة. وهي ظاهرة خطيرة ومحيّرة إلى درجة أنها أحدثت فزعا في أوساط السلط العمومية التي أمرت بإجراء إحصاء لكل الممتلكات في سنة 1840م (4)؛ فتبين أن ألفا ومائتان وتسعة وسبعون (1279) من العقارات في حاجة أكيدة إلى أعمال الصيانة و الترميم(5). كما أن هذه العملية تشير أيضا إلى ان السلطات في ذلك العهد كانت مشغولة بأوضاع الفضاء العمراني للمدينة، وهو إهتمام على صلة مباشرة بالضغط الديمغرافي الجاثم على هذا الفضاء الضيق الذي
----------------------
(1)   وذلك نتيجة نزوح أهل سكان الأرياف إلى المدينة بسبب الأوبئة الفتّاكة والأزمات الإقتصادية وكذلك الأعداد الكبيرة من الوافدين الأروبيون الذين استقروا بالمدينة حيث شكلوا ثلث سكان المدينة.
(2)   الأراضي البيضاء : غير المبنية.
(3)   كانت هذه الأراضي النادرة داخل مدينة تونس ، تشكل رأس مال حقيقي في أيدي المحتكرين والمضاربين.
(4)   المرجع السابق ، ص.262
(5)   الأرشيف الوطني ، دفتر عدد 2286.

-25-

تحكمه الحدود المجسّمة في أسوار أرباض المدينة.
إلى جانب ذلك هناك تغيّرات أخرى برزت على سطح الأحداث و كان لها تأثير مباشرة على الحياة العمرانية بتونس المدينة من أهمها بروز المؤسسة البلدية التي قال عنها القنصل الفرنسي " ليون روش"- في تقرير وجّهه إلى الخارجيّة الفرنسيّة- بأن إحداث هذه المؤسّسة سيفضي عما قريب بالإعتراف القانوني للجالية الأروبية بحق الملكيّة العقارية في الإيالة، وهو ما أكّّد بصورة جليّة أن هذه المؤسّسة كانت في حقيقة الأمر أداة لدعم الحضور الأروبي بالقطر التونسي(1) على أكثر من صعيد.
 وبالفعل ظهرت مؤشّرات المنعطف الذي شهدته المدينة بتحويل تدريجي لمركز النشاط العمراني والإقتصادي إلى خارج أسوار المدينة العتيقة الي شرعت في فتح أبوابها و لم تعد الحاضرة منذ تلك الفترة مدينة مغلقة وراء أبواب أسوارها (2).

و في أوّل خطوة قام بها الجنرال حسين - بعد توليته على رأس المجلس البلدي- تنبيهه إلى ضرورة دعم الحكومة للبلدية لإصلاح وترميم وإعادة بناء ما تهدم من دور ومنشآت و معالم دينية ومدنية و عسكرية طالها الخراب    والإهمال " . وهي صيحة فزع أطلقها رجل عُرف بآرائه المستنيرة ومواقف الشجاعة ونصرته للمدرسة الإصلاحية التي تزعمها الجنرال خير الدّين باشا. ولم يكن ذلك النداء مجرد رأي أو موقف عادي من أوضاع المدينة وإحتياجاتها وإنما كان بعكس عمق الوعي الحضاري الذي كان يحمله الرّجل والتحديات الكبرى التي تواجه مصير الدّولة والمجتمع" فكانت رؤية متكاملة تحمل تصوّرا ناضجا ومكتملا نسبيا وجديدا لمسألة النهضة والتطوّر، ومتشبّع بقيم جديدة بدأت تنتشر في مستوى الجزء المتنوّر من النخبة الإجتماعية في تونس في القرن التاسع عشر.. " (3).

وممّا جاء في هذا النداء (4) هو " أنه قد أصبح أكثر من ثلثي هذه المدينة (مدينة تونس) خرابا و أصبحت جدرانها أبوابا و التهدّم باد حول المساجد والمعابد. أيحسن بنا، سيّدي، أن نبقيها على هذه الحالة أو أن نوكّل أمرها   ----------------------
(1)   لمزيد التوسع في مسألةارتباط مؤسسة البلدية بالحركة الإستعمارية في تونس ، انظر دراسة د. مبروك الباهي بعنوان:       " المؤسسة البلدية وأنموذج التحضر في الإيالة التونسية قبل 1914  -أنموذج بلدية صفاقس- " (المجلة التاريخيةالمغربية، السنة 12 ،العدد 39- 40 ، ديسمبر 1985 ، تونس ، ص.ص 569 577).
(2)   و ذلك بقرار من الباي ، حيث أصبحت أهم أبواب المدينة مفتوحة ليلا لتيسير عمليّة التّبادل و العلاقات بين النّواة الأولى لتونس الجديدة والمدينة العتيقة ، فكان فتح "باب البحر" الذي يفتح على الفضاء الجيد لتونس العصرية بإتجاه الميناء؛ وبعدها تقرّر فتح ابواب جدية بصورة دائمة وذلك مثل "باب قرطاجنّة" وأبواب أخرى في بعض الأماكن من سور المدينة.
(3)   المؤسسة البلدية، ص.9  
(4)  وهي رسالة وجّهها الجنرال حسين إلى الوزير الكبر خير الدّين في سنة 1958 بعد تعيينه على رأس البلدية (المرجع السابق).

-26-
إلى يد ضعيف يعجز عن جمع بنّائين، ولا يظفر بالقليل من مداخيلها (أي مداخيل بلديّة الحاضرة) إلا بعد المكابدة في الطّلب شهرا أو شهرين؛ فهلاّ تعينوه بقوة تناسب همّتكم العليّة، وهلا يلتفت الملك إلى هذه المصلحة بإنتفاعاته المرضيّة.. والحالة هذه أوكد من الإعتناء بالجيوش، وأن ما يحصل من وجود خمسائة (500) عامل بالمدينة ما يكسبها العمران والنظافة من النفع لا يحصل بالكثير من أولئك.. ".
   ثم يستشهد في هذه الرّسالة بقول بعض العقلاء " إذا أردت أن تعرف إلى أي درجة من التّمدّن بلغ أحد الأجيال لتعلم مقدرتهم و غرمهم، فلا ينبغي أن تنظر إلى مصروفهم أو إلى حصونهم أو مدافعهم أو مراكبهم أو عساكرهم أوزخارفهم، فإنّ أحد العيون نظرا تغشّ، وإنّما ينبغي أن تنظر إلى إمارتين أكيدتين، أولاهما التعليم العمومي أي سائر الصناعات، والثانية كيفية المواصلة في المعاملات كدعوة إلى الإهتمام بالعمران كأساس النهضة.."(1).

فهذه الإشارات الحكيمة الواعية بالتحوّلات الخطيرةالتي يشهدها العالم وأنّ القوة والتقدم والمناعة تكمن أساسا في تغيير العقلية السائدة التي لم تعد تستجيب إلى التحدّيات المعاصرة بل إن المطلوب هو تصور تجديدي يرتكز على قناعة بأن النهضة المطلوبة لا تتحقق بمظاهر الأبهة وكثرة المصاريف غير المجدية وإنما على اساس في تغيير طرف التفكير والوعي بالمرحلة التاريخية والإعتناء بالمسائل الإجتماعية من أجل مجتمع متكامل يقوم على إستعاب العلوم وإكتساب المهارات الصناعية وتعمير ما خرب من مباني     ومنشآت لإعادة إحيائها.. كل ذلك من أجل إضفاء حركية حضارية تتفاعل فيها كل العوامل لتحقيق التقدم المنشود فهذه الآراء كانت ترجمة صادقة لواقع مريض بحاجة إلى إصلاح جذري، وهو ما يفسر عجز هذه المؤسسة على الإيفاء بحاجات المدينة من نظافة وإصلاح وترميم وتحسين. 
فحينما أصدر الصادق باي (1882-1859) سنة 1861 أمرا عليا بإحالة مسؤولية الأوقاف على المجلس البلدي بعد مرور ثلاث سنوات على تأسيسه، كان الهدف من ذلك هو مراقبة عائدات الأوقاف وصرف مداخيلها في مصالح البلاد. إلا أن واقع الأمر كان على غير ذلك المقصد، حيث طالتها أيدي الطمع، فوظفت في غير المحبّس.
وقد علق صاحب الإتحاف على ذلك بقوله: " وآل الأمر إلا أن جعله الباي لنظر هذا المجلس البلدي ليصرفه في مصالح البلاد، وإن كانت أكثر مصالح هذا المجلس تحسينية.. "(2).
----------------------
(1)   نفسه.       
 (2) الإتحاف، ج5 ، ص.100.
-27-
وقد واجه المجلس – و منذ اللحظة الأولى - العديد من الصعوبات في ضبط وحصر مداخيل الأوقاف نتيجة تهرب الوكلاء من المحاسبة و عدم حسن التصرف في الأوقاف.. فقام رئيس المجلس البلدي " الجنرال حسين " بعد محاولات لإصلاح الوضع المتردي منها مكاتبته مصطفى خزندار ووزير العمالة يطلب فيها إعطاء الأمر لوكلاء الأحباس بإشهار الأوقاف التي يشرفون عليها للإيواء للكراء أو لبيع غلّتها نظرا لإنتشار ظاهرة المحاباة    والغبن، وهو ما إنعكس سلبا على مداخيل تلك الأحباس.
كما بيّنت العديد من مراسلات المجلس البلدي الصعوبات والمشاكل التي واجهها في مراقبة وتحسين مداخيل الأوقاف، من ذلك شكوى المجلس البلدي من وكيلي وقف السبابل و السور لأنهما يتصرفان طبقا لمصالحهما في فواضل هذين الوقفين. و تشير رسالة من أحد الأشخاص إلى باش مفتي المالكيّة بان جوامع الخطبة ومساجد بنزرت قد اِستولى عليها الخراب، في حين أن أوقافها قائمة وأن الوكلاء لم يحسنوا التصرّف (1). كما تجد مثالا آخر في رفض وكيل أوقاف السّور والسبابل تجديد كراء عقارات تلك الأوقاف بتعلّة أن المنتفعين يدفعون قسطا معينا لا يقبل الزيادة ! ولمّا طُلبوا بحجّة الإنزال كتذاكر الوكلاء السابقين لم ياتوا بتلك الحجّة(2).
فهذه الأمثلة و غيرها تشير إلى أنّ إحالة مسؤولية الأوقاف إلى المجلس البلدي - بعدما كانت بيد رجال الشّرع- لم تحقّق أهدافها المتمثّلة اساسا في إيجاد آليات اكثر نجاعة للإستفادة من الأوقاف بحسن إستغلالها وحسن التصرف في مداخيلها، رغم المحاولات العنيدة للجنرال حسين في إصلاح الأوضاع وإعادة تنظيم إدارة الأوقاف و منع إستغلال الطامعين في مال الاوقاف ونهبه. فآضطرّ الرجل إلى تقديم إستقالته يأسا وحسرة من تردي الأوضاع.

- إشراف العسكر على الأوقاف:
بعد فشل التجربة مع المجلس البلدي التي لم تتجاوز السنتين وما تلتها من عراقيل، قامت السّلطة الحاكمة كمحاولة أخرى للسيطرة على الأوقاف العامة ووقع تكليف أمير الأمراء رشيد سنة 1863 لإدارة هذه الممتلكات والسيطرة على مداخيلها على ان يكون فاضلها لمصاريف العسكر.
والملاحظ أنه ولأول مرة وقع خرق تقليد إشراف أهل الشرع. وكان " أحمد باي " قد مهّد الطريق لهيمنة العسكر على الأوقاف وتوسّع فيها مع ضباطهم، ----------------------
 (1)   الأرشيف الوطني ، سلسلة ت، صندوق : 60 ، ملف:682 ،  بتاريخ 1288هـ / 1872م.
(2)   المصدر السّابق ، صندوق : 59 ، ملف:678.

-28-

وكان المدخل لهذا الإجراء هو ضمان نفقات الجيش. ولإضفاء الشرعية على هذا الإجراء طلب الصادق باي فتوى شرعية، فأفتى له " محمد الطاهر بن عاشور " المفتي المالكي بجواز الأمر. وقد سانده في ذلك " أحمد بن أبي الضياف " مبررا موقفه بأن الإنفاق على لوازم العسكر هو من طرف البر بل إن حماية الحبس العام لا تكون إلأ بشوكتهم.

    إلاّ أنّ الملفت للإنتبـاه هـو معارضة خير الدّين الذي علّل رأيه " بـأن
المقصود من دفع فاضل الحبس لطرق الخير هو لأجل نفع المُحبّس بزيادة الثواب انقطاع عمله، بينما مصروف العسكر متعيّن على الدولة ومن أجله كانت الجباية. أما إخراج مصروف العسكر من فاضل الأحباس فيؤدي إلى ضياعها و جولان اليدي فيها وهو في نفس الوقت لا يليق بمهمة الدّولة "(1).

و إستنادا إلى تلك الفتوى شرعت السلطة الحاكمة في إستغلال فواضل الأحباس في نفقات العسكر، وصدرت في الشأن عدّة أوامر متتالية لتنفيذ كيفيّة صرف تلك الفواضل، من ذلك - على سبيل المثال- صدور أوامر إلى كلّ وكيل من ضباّط الجيش في عديد الجهات لدفع فاضل ريع الحبس المذكور، لما يلزم مصروف أسرّة مدافع لأبراج وإصلاح الأبراج ودفع مؤونة العسس ومصاريف القشلات ( مثل القشلة الأحمدية بالحاضرة ) ومصاريف محلّة الأعراض..(2).

كما طالبت الدّولة الأوقاف ببعض المصاريف الأخرى على الشؤون العسكريّة مثل دهن مدافع الأبراج وغيرها..

 إلاّ أن بعض هذه المطالب جوبهت في بعض الأحيان بعدم تنفيذها من طرف إدارة الأوقاف العامة مستندة في ذلك بأنّ " الوقف إنمّا هو على بناء ذات الأبراج، وأنّ ما تطلبه الدّولة جرت العادة القيام به بنفسها "(3).

ولعلّ هذا ما يفسّر تمسّك الوكلاء والمشرفين على الأوقاف عموما بآحترام نصّ الحبس المخصّص في الأصل للأبراج والأسوار دون غيرها من المصاريف الأخرى التي تتكفّل بها الدّولة.

----------------------  
(1)   الإتحاف ، ج5 ، ص. ص. 112- 111.
(2)   السلسلة التاريخية ، صندوق : 60 ، ملف : 681.
(3)   السلسلة التاريخية ، صندوق : 62 ، ملف : 695 (بتاريخ 8 ربيع الثاني 1296هـ / 1879م).            

-29-
وممّا زاد من تأزّم الوضع في الأوقاف أنّ الوكلاء السابقين عبّروا في أكثر من مناسبة عن تذمّرهم من تصرفات وكلاء العسكر الذين أسندت لهم صلاحيات واسعة ووقع إستغلالها لتنفيذ مآربهم وأطماعهم الشّخصية وقاموا بآستعمال القوّة للإستيلاء على فواضل الأحباس. وقد عبّر المؤرّخ أحمد بن أبي الضّياف في إتحافه عن رأيه في المسألة بقوله: ".. إن أمير العسكر (أي وزير الحرب) أناب أعيانا من جنده وحاسبوا الوكلاء عوضا عن العادة الجارية بولاية الأحباس لأهل العلم والصلاح، و هؤلاء النّواب إستعملوا الشدة العسكرية في الإستيلاء على فواضل الأحباس من غير نظر إلى استقامتها كأنها غنيمة حرب " (1).























---------------------
(1) الإتحاف ، ص:112.
-30-



الباب الثاني :
        نشأة الجمعية ومسارها

-  الفصل الأول    :  تردي أوضاع الأوقاف والحاجة إلى تنظيم إدارتها


-  الفصل الثاني   :  الهيكلية القانونية والإدارية لمؤسسة الأوقاف


-  الفصل الثالث   :  السياسية الجديدة وتقييم المرحلة التأسيسية


-  الفصل الرابع   :  الأوقاف في عهد الإحتلال الفرنسي





*****



الفصل الأول:  تردي أوضاع الأوقاف والحاجة إلى تنظيم إدارتها.

    كانت الأحباس بالبلاد التونسية تعيش أوضاعا متردية نجم عنها تدهور في المؤسسات والبناءات التي أصبح جلها مهددا بالخراب ممّا انعكس سلبا على مردودها المالي والاجتماعي، كما أنّ عددا من الأحباس زاغ عن   هدفه، وتحوّلت موارده لفائدة أغراض شخصية (1).

    فبعد أن عهد إلى الشيخ محمد بيرم الخامس(2) رئاسة جمعية الأوقاف(3) شرع هذا الأخير - ومنذ الأيام الأولى من تعيينه في مراجعة ملفات الأوقاف التي وجدها على حالة من الفوضى يرثى لها، وقام باتصالات ميدانية هو وأعوان في إدارة الجمعية لحصر الممتلكات وفض المشاكل العقارية المتراكمة (4).

    إنّ المتأمل في فصول قانون الجمعية يدرك الإرادة القوية للتّصدي لكل الصعوبات الأخلاقية والإدارية التي ساهمت في تدهور ثروة الأوقاف التي أشرفت على الإتلاف والضياع وأصبحت عاجزة على المحافظة على العقارات المحبسة في المدن والقرى والأرياف، وتوزيع مداخيلها الضخمة على مستحقيها، نتيجة سوء النظام وتقديم الاعتبارات الشخصية والسياسية على واجب مراعاة مقاصد المحبس ومبدأ صيانة الحبس واعتبار مصلحة المستحقين (5).
     وبالفعل بادرت إدارة الجمعية بتقييم حالة الأوقاف. فكانت النتيجة أن جملة أوقاف الحاضرة وما حولها، عدا الحرمين الشريفين والجامع الأعظم (أي جامع الزيتونة) وجد غالبه علـى حالة من التدهور فمنه مـا هو معطل
بالمرة وانعدم النفع به، ومنه ما دون ذلك وهو بحاجة إلى إصلاحات وترميمات كبيرة.
-----------------------
(1)   نفسه ، ص.195
(2)   محمد بيرم الخامس
(3)   وذلك بمقتضى أمرصدر بالرائد التونسي في 21 صفر سنة 1291 ه الموافق لـ : 9 أفريل 1871م.
(4)   الدين والدولة والمجتمع في موااقف وآثار محمد بيرم الخامس ، ص : 215
(5)   من محاضرة ألقاها د. محمد العزيز ابن عاشور ، ببيت الحكمة بتونس أكتوبر 1989 بمناسبة مرور مائة سنة على وفاة محمد بيرم الخامس.

-32-
 







 والمتأمل في محتويات القانون الداخلي لجمعية الأوقاف(1) يلاحظ جدية العمل وعمقه وكذلك الإرادة الكبرى للتصدي لكل الصعوبات الأخلاقية والإدارية التي ساهمت في تدهور ثروة الأوقاف التي أشرفت علـى الإتلاف
والضياع، بل أصبحت عاجزة على المحافظة على العقارات المحبسة(2) في المدن والقرى والأرياف، وتوزيع مداخيلها الضخمة على مستحقيها، نتيجة سوء النظام وتقديم الاعتبارات الشخصية وكذلك السياسية على واجب مراعاة مقاصد المحبس ومبدأ صيانة الحبس واعتبار مصلحة المستحقين(3).
وبالفعل أثبت التقرير الأولي الذي قدمه محمد بيرم الخامس، أول رئيس لجمعية الأوقاف ـ حول نشاط الجمعية في المدة المتراوحة بين أواخر شهر مارس وشهر جانفي من سنة 1291هـ /1874 م، أن جملة أوقاف الحاضرة وما حولها عدا الحرمين الشريفين والجامع الأعظم ـ وجد غالبه على حالة غير مستقيمة، فكانت الأوقاف تؤخذ مداخيلها من غير التفات إلى صيانتها   وإصلاحها حتى كادت تتلاشى تلك المداخيل بالتناقص.
كما أشار التقرير أيضا إلى أن الجمعية حرصت أشد ما يكون الحرص في البحث عن أوقاف حالت فيها أيدي الناس، و لم يكن منها للوقف شيء.
  فهذه الأوضاع المتردية للأوقاف دفعت بحكومة خير الدين و بمساندة قوية من محمد بيرم الخامس(4) إلى الاعتناء بتنظيمها ومراقبة أملاكها وتوزيع مداخيلها على أحسن الوجه طبقا للتراتيب التي وضعت من أجلها، ". وقد التزم بيرم أن يفرغ جهده لإصلاح هذه الإدارة المستجدة وتدريب عمالها على العمل على حسب المرغوب حتى التزم في أول الأمر أن يباشر جميع الأعمال بنفسه جزئية وكلية ليلا ونهار"(5). وبالفعل كانت الأولوية بالنسبة لرئيس الجمعية تتمثل في حصر التجاوزات لمواكبتها وذلك بعد ضبط قائمة الأحباس المتضررة أو المفقودة بسبب فقدان الرقيب حيث ظهر بعـد البحث أن هناك العديد من الأملاك كانت أصلها وقف واستولت عليها أيدي العدوان    ورجعت إلـى أوقافها بالمرافعة والأحكام الشرعية.
 ----------------------
(1)  إنّ القانون الداخلي لجمعية الأوقاف كان بأمر صدر بتاريخ 15 ربيع الثاني 1291 ه الموافق لـ: 11 جوان 1874م، وقد تضمن التراتيب الإدارية و المالية و شروط التصرف في الرعايات و العقارات المحبسة (الرائد التونسي عدد 11 الصادر في 11 جوان 1874 م).
(2)   الدين والدولة والمجتمع في مواقف وآثار محمد بيرم الخامس ، ص 214.
 (3)  من محاضرة ألقاها محمد العزيز بن عاشور ببيت الحكمة ، أكتوبر 1989.
(4)   محمد بيرم الخامس: مصلح تونسي ولد بتونس سنة1840 وتوفي بالقاهرة سنة1890. اشتهر بتأليفه الضخم " صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار( خمسة أجزاء) ،إضافة إلى ستة عشر رسالة علمية في قضايا مختلفة وتأسيسه جريدة           " الإعلام " . كما كان له نشاط سياسي بارز في كل من تونس والآستانة والقاهرة و له شبكة واسعة من العلاقات السياسية شرقا وغربا.. ( انظر: ترجمة محمد بيرم الخامس في صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار، تحقيق:علي الشنوفي، بيت الحكمة– قرطاج - 1889 .(
(5)   محمد بيرم الخامس ، صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار ، الجزء الخامس ، ص : ح.

-33-

وكـان مـن جملتها نيف وسبعون هنشيرا زيادة على الزياتين وغيرها من الأملاك التي تتجاوز قيمته المليون(1).

إنّ قسما كبيرا من العقار بالبلاد التونسية تعلق به نظام الحبس في الأصل أو في الحال، حيث أن أغلب الأحباس تغيرت حيازة ملكيتها واتسعت دائرة    التصرف فيها من فرد إلى آخر ومن جيل إلى جيل، لميل المسلمين عموما وأهالي القطر بالخصوص لتحبيس أملاكهم بهدف إقامة وجه من وجوه الخير أو لمصلحة عامة وذلك مثل إقامة المساجد والمدارس والتكايا والسقايات      والجسور والأحزاب القرآنية وإعانة المحتاجين والمرضى الفقراء وغيره من وجوه البر، أو بقصد إبقاء منفعتها للأبناء وذريتهم مدة تناسلهم على أنه إذا انقطع النسل أو غيرهم من الأعيان الذي عين المالك فتصبح بعد ذلك من الأحباس العامة.

 وبمرور الزمن تفاقمت مشاكل الأحباس وأصبحت تعيش في فوضى كانت سببا في الإضرار بحقوق الكثير من المستحقين وهو ما انعكس بدوره على الموقوف. فمنهم من يهمل الوقف حتى انعدم نفعه فيعمل فيه موجبات بيع الحبس ليعاوض بثمنه غيره وجالت بهذه الوسيلة أيدي نظار الأحباس ومستحقيها وغيرهم بطرق غير قانونية، وهو ما أضر بالموقوف عليه والموقوف على حد سواء.

     وأمام هذا الوضع المتردي للأوقاف، وبعد تراكمات من التردد وبعض المحاولات السابقة لتنظيم و تنمية ثروات الأوقاف، قرر الوزير الأكبر خير الدين بعث مؤسسة عمومية تدير شؤون الأوقاف العامة والخاصة بالبلاد التونسية مراقبة وتنظيما إداريا وماليا، وسعيا إلى تحسين مداخيلها، مع القيام بصيانة وتعهد العقارات المحبسة.
فبعد تولّي خير الدين باشا الوزارة الكبرى (2) بخمسة أشهر فقط، وجّه اهتمامه إلى إصلاح وتنظيم الأوقاف التي تشتت ممتلكاتها و" استولت عليها أيدي الأطماع والخراب ". فرأى أن يجمّعها تحت إشـراف إدارة واحدة تعتني بحفظها و صيانتها وحصر أموالها في أوجهها المشروعة.



---------------------
(1)   لمصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص.ص:64  ـ 65
(2)   تم تعيين خير الدين وزيرا أكبر مباشرة بعد عزل مصطفى خزنه دار من الوزارة الكبرى ، وذلك في 28 شعبان سنة        1290 هـ الموافق لـ 21 أكتوبر 1874م.

-34-
لذا بادر الوزير بإحداث مؤسسة تشرف عليها إدارة بمقتضى أمر أصدره "محمد الصادق باي" في شهر محرم سنة 1291 هـ مارس 1874 م أطلق عليها إسم " جمعية الأوقاف ". وكان لا يخفى على الوزير الأكبر خير الدين، أنّ نجاح ذلك لا يتمّ إلاّ بتعيين رجل تتوفر فيه شروط الرئاسة الحازمة ليكون أوّل رئيس لجمعية الأوقاف(1).

 وقد رأى الوزير أن يعهد إلى " محمد بيرم الخامس" هذه المهمة الدقيقة لما اتّسم به من أوصاف تؤهله لهذا المنصب الخطير. من ذلك أنّ بيرم يعتبر من أشّد أنصار الفكر الإصلاحي العازمين على العمل من أجل النهوض بالإيالة التونسية بتطوير مؤسساتها وهياكلها التقليدية حتى تواكب التطور وتقدم على مواجهة التحديثات السياسية والإقتصادية والقانونية.
هذا إلى جانب نقمته على الأوضاع القائمة ومواقفه الجريئة قبل تولي خير الدين الوزارة الكبرى، ممّا جعله مهيّأ لمجابهة الصعوبات المنتظرة والدفاع بحماس على مصالح الأوقاف. كما لا يخفى أيضا أنّ الرجل ينتمي إلى الوسط العلمي الإنتماء الكامل وابن أسرة عريقة في المجد العلمي وأحد المدرسين البارزين من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، ولا خفاء أنّ الأوقاف – التي هي باب من أبواب الفقه – يستحب أن تكون من أنظار أهل الإختصاص(2).

والملاحظ هنا أنّ بيرم امتنع في أوّل الأمر عن قبول أية وظيفة " لأنّه- كما يقول ابنه- لم يكن يميل إلى التقيّد بشيء ما يمنعه عن السعي وراء ضالّته المنشودة وهي الحرية للرعيّة، ودخوله في الوظائف يجعله بلا ريب مقيّدا مع الوزير بالآداب التي تقتضيها الوظيفة" (3).








----------------------
 (1)   من محاضرة ألقاها الدكتور محمد العزيز إبن عاشور، تحت عنوان " دور بيرم الإصلاحي مدة رئاسته جمعية الأوقاف".
(2)   يقول ابن محمد بيرم الخامس في ذيل الصفوة عن ترجمة أبيه: " وقد رأى الوزير أن يعهد إلى صاحب الترجمة أمر هذه الإدارة الجديدة ، لما عهد فيه من معرفته بالأحكام الشرعية واطّلاعه على المقتضيات الوقتية. "
(3)   المصدر نفسه.

-35-
الفصل الثاني:

     الهيكلة القانونية والإدارية لمؤسسةالأوقاف.


     يتضمن القانون الداخلي(1) للجمعية في بدايات تأسيسها على ثمانية فصول، يمكن إيجاز أهمّها فيما يلي :

الفصل الأول: محل اجتماع الجمعية وأعمالها يكون بسرايا المملكة.

الفصل الثاني: فيما يخص أوقات الاجتماعات وتكون من يوم السبت ليوم الأربعاء. وإذا اقتضى الحال فأن الاجتماع يكون في غير ذلك الوقت. وعلى أعضاء الحضور بدعوة من الرئيس.

الفصل الثالث: البت في القضايا المطروحة على الجمعية يوميا يكون بإثنين وأما ما فيه خلاف فإنه النظر في المسألة يكون بثلاثة وإذا وقع الخلاف بين الآراء في النازلة يعمل برأي الأغلبية، فإن تساووا يعمل برأي الكشف الذي فيه الرئيس.

الفصل الرابع: لما كان الهدف من تأسيس الجمعية هو النظر في مصالح الأوقاف العامة والخاصة، فإن واجب الجمعية يتمثل في بذل الجهد فيما     وكّل لأمانتهم والتحري في التجاوزات الحاصلة من طرف الوكلاء، واختيار نواب الجمعية ومراقبة أعمالهم ومعرفة حال الأوقاف والتدخل في صيانتها    وترميمها وحفظ مال الأوقاف والسعي إلى تنمية مداخيلها وتتبع التجاوزات التي تحصل في الموقوف عليه والموقوف.

الفصل الخامس: تكلف الجمعية من يمثلها في حفظ الأوقاف مقابل أجر يخرج من فوا ضل مال الجمعية.

----------------------
(1)   كتيب بعنوان: ترتيب الخدمة الداخلية للجمعية التي بنظرها حفظ الأوقاف بالحاضرة التونسية المحمية على مقتضى الأصول المحررة في الأمر العلي المؤرخ في المحرم الحرام 1291هـ ، طبع بمطبعة الدولة التونسية سنة 1291هـ.


-36-
الفصل السادس: يعتمد رئيس الجمعية والأعضاء في أعمالهم أمر قانون الجمعية، فإن عرض لهم ما لم يتضمنه الأمر المذكور، فإن الرئيس يعرضه على الوزارة.
أمّا الهيكلة الإدارية للمؤسسة فهي تتركب من:

1) الرئيس : وهو الذي تصدر عنه المراسلات المتعلقة بنشاط الجمعية وأعمالها وتقاريرها المختلفة سواء كانت خطابا موجّها للوزارة الأولى أو لنواب الأحباس ، أو جوابا عن مسألة من المسائل.كما يتلقى الرئيس التقارير التي يقدمها له نواب الأحباس الأول بالأوّل، ويكون ذلك على مقتضى الفصل الحادي عشر من قانون الجمعية (1). وهو الذي يمضي ما يتحرّر من أعمال الجمعية بخطوط الأعضاء وما يصدر من المراسلات التي تسجّل في دفتر يتضمّن الإشارة لهذه المكاتيب وعلاماتها، إلى جانب إمضاء الكاتب الأوّل. هذا إضافة إلى اطّلاعه ومراجعته لدفترين خاصين بالمداخيل     والمصاريف(2). ويخوّل له القانون كذلك توزيع المهام بين الكتاب. كما يلزمهم بإتمام واجبات الوظيفة من محافظة على الأوقاف وعدم تأخير العمل واحترام أماكن العمل ولزوم الآداب عند المفاوضة وأن لا يقع شيء من أعمال الجمعية إلاّ بمحل العمل(3).
2) كاهية الرئيس : الذي ينوب رئيس الجمعية في كل أعماله أثناء غيابه مع وجوب إطّلاعه على ما وقع أثناء غيابه، فإن لم يحضر الكاهية فالعضو الأوّل يقوم بتعويضه في هذه الوظائف.
3) عضو أوّل.
4) وعضو ثان.
5) ومن مشائخ كتبة: كاتب أوّل وكاتبان.
6) وأمين مال (4).

أمّا التصرّف المباشر في الأوقاف فهو من مهام الوكلاء(5)، كلّ واحد منهم متصرّف في وقف أو مجموعة أوقاف، وهي أوقاف الحرمين الشريفين       ----------------------
(1)   ينص هذا الفصل على أن : " جميع النوازل تلخص وافيا بمقاصدها، فما كان منها مهمّا فإنّه يتقدم في الغرض على الجمعية     ويتحرر ما يستقر الرأي عليه فيه كتابة وتصححا. وعلى مقتضى ذلك تصدر المكاتيب. وما كان خفيفا فإنّ الرئيس يحضر جوابه على الجمعية. وإذا ورد عليه ما لا علاقة له بالجمعية فلا يلزم تقييده ويكيفه إعلام القادم إليه بأنّ ذلك لا علاقة له بالجمعية ". الفصل 11 من قانون جمعية الأوقاف (انظر: الرائد التونسي، عدد 11 الصادر في 11 يونية 1874 م).
(2)   من الفصل الثالث عشر من قانون الجمعية.
(3)   وهناك فصول أخرى تيسر مهام رئيس الجمعية وذلك طبقا للفصول:  14-15 و16.
(4)   انظر الباب الثالث من قانون الجمعية الذي يخص أعمال الأعضاء، وفيه ثلاثة فصول: 17 18 و19. أمّا أعمال أمين المال فقد نصّ عليها الباب الرابع من القانون المتكون من أربعة فصول: وهي 20 -21 22 و23 (المصدر السابق).
(5)  خصّص الباب السابع لأعمال النواب والوكلاء وشهود ما لنظرهم، وقد ضمّ الفصول من 33 إلى 40.


-37-
والأبراج والقشل والجامع الأعظم وجوامع الحنفية وجوامع المالكية والمدارس والمارستان والسور... إلخ.
وبالنسبة لداخل القطر فللجمعية نوّاب يمثلونها وذلك في كل من القيروان، وصفاقس، وسوسة، والمنستير، وباجة، وتستور، والجريد، وماطر، وطبربة، وغيرها.

وبخصوص أقسام إدارة الجمعية، رأينا من الضروري أن نعطي فكرة ولو موجزة عنها وما يخص مهامها وتركيبتها الإدارية ووثائقها المعتمدة، ما عدا قسم الإصلاح الذي سنفصل فيه القول لأنّه القسم الذي يهم دراستنا هذه بالدرجة الأولى، مع إبراز كيفية تنسيق نشاط كل قسم مع بقية الأقسام الأخرى، لأنّه لا يمكن فهم دور كلّ قسم من هذه الأقسام إلا من خلال تكامله وتفاعله مع الأقسام الأخرى في تناسق فيما بينها لتحقيق أهداف جمعية الأوقاف في المحافظة على الموقوف والموقوف عليه، العام منه والخاص، وصيانته وتنمية مداخيله والدفاع عنه لحمايته من مختلف التعديات، خصوصا إذا كان الأمر يهمّ مؤسسة ضخمة وذات أهمية اقتصادية واجتماعية مثل جمعية الأوقاف التب تشرف على جلّ الممتلكات بالبلاد التونسية سواء كانت من العقارات أو الزياتين أو الرباعات:

- قسم الأوقاف الخاصّة:
    إنّ الأوقاف الخاصة هي التي يوزع ريعها على مستحقيها بعد طرح المصاريف والمعاليم فيه، وهي تنقسم إلى أوقاف تشرف عليها الجمعية بصفة نهائية كأوقاف القراء والمؤذنين، أو بصفة مؤقتة طبق أمر حكومي حتى يعين لها مقدمون كأوقاف الزوايا مثل وقف سيدي علي عزوز.
ومن مهام هذا القسم، ضبط الأوقاف الخاصة ومستحقيها ومباشرة خدمتها طبق القوانين الجارية بها العمل في الأوقاف العامة. فيقع حصر الفاضل من دخلها (ريعها) بعد طرح المصاريف ومعلوم الجمعية، ثمّ يقع توزيع الحاصل على المستحقين طبق نص الواقف. وتقوم الجمعية بحفظ حجج الدفع ثمّ يقع موظفيها الذين يشرفون مباشرة على الوقف ومتابعة عملهم حتى لا يقع تأخير لا يكون في صالح المستحقين ويكون سببا في تذمرهم أو تشكّيهم.
    ويتركب هذا القسم من رئيس يتولى تنسيق نشاط هذا القسم الإداري منه والمالي، ومن ثلاثة عدول وكاتب، وموظفين مكلفين بالشؤون المالية.


-38-
ويتولى أحد العدول الثلاثة شؤون القرّاء والمؤذنين والوقادة بالجامع الأعظم (جامع الزيتونة). والثاني فهو مكلف بالأوقاف المشتركة الخاصة وأوقاف الأحزاب أي القراء ورواة الحديث ونقباء الزوايا وغيرهم، أما الثالث فهو مكلف بدفاتر بقية هاته الأوقاف ومقتطع المقابيض.

أمّا علاقات القسم بغيره من أقسام الجمعية فتتمثل بالخصوص فـي ضبط ما يصرف علـى الأوقاف الخاصة علـى يد أقسام الإصلاحات والشراءات والشعائر والنوازل والزياتين. لذلك يجب على هذه الأقسام كلما باشرت صرفا في حق الأوقاف الخاصة أنّ تفتح له قائمات رسمية أي صحيحة وممضاة ليسجلها بدفاتره بصورة مفصلة. كما يجب على هذا القسم دفع جملة ما بها لأوقافه وأخذ إبراء في ذلك. كما يتولى القسم بنفسه دفع قانون (أداء) الزيتون ومعلوم الضمان من أوقاف الحرمين وماء زغوان والكهرباء والأداءات البلدية وغيرها، إلى جانب تكفله بدفع حصص المستحقين وكذلك مرتبات قيّم الشعائر وأربابها. ولتمكين القسم من دفع ما وجب على الأوقاف الخاصة، ويتولى رئيسه استرجاع ما يحتاجه من المال من قباضة الجمعية طبقا للترتيبات الجارية وما يبقى لديه من المال في آخر اليوم يؤمّنه بالقباضة. وعلى هذا القسم أن يقدم حساباته الشهرية إلى قسم الحساب في الوقت المعيّن له.

قسم الوكلاء:
كانت الوكالات موزعة على الوكلاء بحسب نوع الوقفية، حيث يتولى الوكيل النظر في شؤون مهامه من استخلاص ريع وتسويغه وإصلاح وجلب مواده، ودفع جرايات أرباب الشعائر، وشراء لوازمها، وتوزيع ريع بعض الأحباس الخاصة ودفع أجر قص الزياتين وحرثها وأجر المعاليم الحكومية أو البلدية، ومتابعة النوازل لدى المحاكم والولاة لاستخلاص أموال الوقف... ويتم ذلك كلّه بإعانة عدلين يتوليان الإشهاد على أعماله.
      ونظرا لاتساع نشاط هذا القسم وتشعباته ظهرت إخلالات متعددة منها: تأخير الاستخلاص حتى ضاع بعض المال بمرور السنين، أو وفاة المطلوب على حالة فقر وإفلاس، وكذلك من الغفلة في التسويغ، حتى بقيت بعض الأراضي والعقارات من دون كراء أو تجديد الكراء..

وأمام هذا الوضع المتردي، حاولت الجمعية أن تتدارك الأمر والحد من هذه الإخلالات الناجمة عن هذه التشعبات في مهام الوكلاء، فأجرت بعض التحويرات التـي تتمحور حول التخفيف مـن أعباء هؤلاء الوكلاء، وضبط مهامهم بأكثر معقولية وشفافية، فجاءت فكرة إحالة الكثير من المهام السابقة على أقسام تكلف بالإصلاح وتوفير مواده فجاءت فكرة إحالة الكثير من المهام
-39-
وكذلك الشعائر وشراء لوازمها والتسويغ واستخلاص ريع الأوقاف الخاصة وتوزيعه على مستحقيه وشؤون الزياتين والمرافعات أو النوازل بالمحاكم وغيرها من المهام الكثيرة، بحيث لا يبقى من مهام الوكيل إلا إرشاد الأقسام المذكورة - كل حسب اختصاصه - إلى ما يهمهم مباشرة، وضبط ما لنظره من الأوقاف وتفقدها واستخلاص ريعها.
ولمزيد من التنظيم وسعيا إلى تحسين مردود الأوقاف وصيانتها أنشئت في المرحلة الأولى ثماني وكالات وهي:
 وكالة جوا مع الخطب الحنفية والمالكية ومساجد الحاضرة والأحواز / وكالة السور والفشل والأبراج والديوان والسبابل والآبار بالحاضرة والأحواز / وكالة الأحزاب والتربة الحسينية والمدرسين والمدارس والكتاتيب / وكالة التكية والبنات الأبكار والمستشفى والفقراء وعثمانة / وكالة الزوايا بالحاضرة والأحواز / وكالة الأوقاف المشتركة / وكالة الحرمين الشريفين / وأخيرا وكالة الزياتين بالأحواز. 
       وكان قسم الوكلاء بالجمعية يتركب من ناظر وثمانية وكلاء وأربعة عشرة عدلا ومترجما وأربعة عشرقابضا(خلاّصا).
أما الدور المحوري في كل نشاط يقوم به هذا القسم فإنّه يرتكز أساسا على الوكيل الذي يجب عليه إرشاد المعنيين بشأن الوقف وإمداد قسم الشعائر بالمعلومات الدقيقة حول حاجيات الوقف لمساعدته على تأسيس الدفاتر المنصوص على تكوينها بنظامه الخاص، وكذلك على إعطاء المؤسسات الدينية ما تحتاجه من بعض لوازم الشعائر. كما يجب عليه أن يتعاون مع قسم الترميم على تحقيق مطالب الإصلاح وذلك بأن يتوجه بنفسه للبحث عمن يجب عليه مصاريف الإصلاح : الجمعية أم المكتري للوقف، وهل أنّ الإصلاح من قبيل التحسين، ولا يلزم الجمعية قبوله وإنّما يمكنها إجراؤه في مقابل تحمل المكتري الزيادة في معلوم الكراء السنوي. كما أنّه مطالب بتقديم تقرير شامل في ذلك بقسم الإصلاح. أما علاقته مع قسم النوازل فتتمثل في إرشاده إلى كل ما يحتاجه لرفع الشكاية وذلك ببيان جنسية المطلوب وأسماء ورثته إن توفي ومحل السكنى بغاية التحري. وفي مسائل الحوز يجب عليه ضبط مدة التعدي على الموقوف أو الموقوف عليه مع بيان الحدود بالتدقيق والمساحة على سبيل التقريب.
    وفي مسألة التسجيل وجب عليه التثبت من وقوع الاستيلاء على الموقوف أو الموقوف عليـه أو هل وقع سهو عـن التنصيص علـى الأداء الموظف أو التقليل من مقداره.. وغيرها من المسائل التي يجب على الوكيل التثبت منها وكذلك في مسائل البيوعات التي تقع بالمحاكـم. كما يجب عليه إرشـاد
-40-

القسم العقاري إلى ما يحتاجه إليه من البيانات عندما يريد إنزال الموقوف أو معاوضته أو تسويغه لمدة طويلة..
 وكذلك الشأن بالنسبة لبقية الأقسام. وتكون هذه المعلومات محررة بغاية الدقة والتثبت ومصحوبة عند الاقتضاء بالحجج والوثائق المؤيّدة له(1).
قسم الإنزالات(2):
لقد طلبت إدارة الجمعية من نظارة الوكلاء والعدول(3) تحرير فصول     " الإنزالات الحية " أي الجارية دون الإنزالات غير الجارية أي الإنزالات المعاوضة والمسقطة بإذن من الجمعية والمضمومة إلى وكالات أخرى. والغاية من ذلك هو فصل هذه الإنزالات من دفاتر الأوقاف وجمعها في دفتر واحد لتكون لها وكالة خاصة بها تحت نظر وكيلها الخاص.
أما الثاني فهو الإنزالات الطبيعية. وقبل إدراج القسم الأول بدفتر خاص به، ترتب الجذاذات كما يلي: قسم المدينة العربية مرتبة على حروف الهجاء مع ترتيبها عقارات كل نهج على ترتيب أعدادها البلدية، ثم يليها قسم ربض باب الجزيرة ثم قسم ربض باب سويقة، ثم قسم الحي الأوروبي، ثم قسم الأحواز، وهذا الأخير يرتب على حسب الغابات أو الجهات، وترتب كل غابة او جهة على حسب الأوقاف التي ترجع إليها الإنزالات بهذه الصورة: إنزالات الحرمين فالجوامع، فالمساجد، فالكتاتيب، فالديوان، فالمدرسين، فالأحزاب بالزوايا، فالمستشفى، فالتكية، فالتربة، فالأسبلة، فالقشل والأبراج، فالأوقاف المشتركة. أما القسم الثاني، وهو الإنزالات الطبيعية، فيدرج كله بدفتر خاص، وترتب فصوله على نحو ترتيب فصول دفتر الإنزالات الأصلي أو في الإنزالات غير الطبيعية. ولا يقع إغلاق حساب هذا القسم ولا يجوز نسخه إلا بعد عشرة أعوام. وتقع محاسبة الوكيل على المقابيض كل ثلاثة أشهر وفي آخر السنة الإدارية(4).
قسم الشراءات:
تحتاج الجمعية إلى شراء العديد من المواد والأثاث لإدارتها بالحاضرة وفروعها داخل البلاد، وكذلك إلى لوازم الشعائر الدينية مما كان على نفقتها من المؤسسات الدينية إضافة إلى مواد البناء لإصلاح الموقوف                  --------------------
(1)   راجع تفاصيل ذلك في "ترتيب الوكالات" (إ.ج.أ ، التراتيب ، كرطونة عدد 72).
  (2) الإنزال هو عقد يحيل به المالك أو ناظر الوقف حوز العقار والتصرف فيه على الأبد، على أن يلتزم له المستنزل بأداء مبلغ معين سنوي أو شهري لا يتغير، وتبقى له الرخصة في شراء الإنزال. كما يجوز أن يشترط على المستنزل تحسينات معينة كبناء أو غرس أشجار تعتبر جزءا مما حمل عليه بالعقد. (أنظر الفصل 954 من مجلة الالتزامات والعقود التونسية، الطبعة الثانية. المطبعة الرسمية العربية سنة 1907).
 هذا وقد وقع تقسيم الإنزالات إلى الإنزالات الحية والإنزالات المعاوضة والإنزالات المضمونة والإنزالات المسقطة.
(3)  كان ذلك في 9 شوال 1385 هـ/22  نوفمبر 1939 م (إ.ج.أ، الترتيب، كرطونة 1، دوسي عـدد 62، الموضوع: إحداث وكالة الإنزالات، المنشور عدد 17769.
(4)  راجع تفاصيل ترتيب قسم الإنزالات بالمرجع أعلاه.
-41-
والموقوف عليه. وقد كان ذلك موكولا بعهدة الوكلاء وبعض الموظفين بالجمعية دون توحيد عمليات الشراء وتنظيمها من حيث الاحتياجات المبرمجة أو الفجئية. وقد ثبت عدم صلوحية هذه الطريقة شبه الفوضوية التي فتحت أبواب التبذير والسرقات وأحيانا العجز على توفير بعض الضروريات.
لذا كلفت لجنة مالية للنظر في تنظيم وتوحيد الشراءات بقسم يتولى هذه الأمور طبق نظام واضح المعالم والأهداف والأساليب، فضبطت مهام هذا القسم في توريد أدوات الكتابة والأثاث للإدارة وفروعها، ولوازم الشعائر للمؤسسات الدينية ومواد البناء لإصلاح الأوقاف من العقارات الدينية منها والمدنية، إلى جانب طبع الدفاتر والوثائق التي تحتاجها الجمعية. كما يقوم قسم الشراءات بالجمعية بإرشاد نوابها بالآفاق إلى أثمان المواد التي يكلفون بشرائها بأنفسهم من جهاتهم.
ويتركب قسم الشراءات من رئيس وعدلين وعون يتولى أمر الرئيس بجلب نموذج من كل نوع من الأنواع المراد شراؤها مع بيان أسعارها، وذلك بنشر الإعلانات بالجرائد فيما له أهمية وفي غيره مما لا يتجاوز قيمته مائة وخمسون فرنكا(1) يأخذه مباشرة من الرئيس. ويقع النموذج مسعّرا مصحوبا برأي الأمين أو العريف إلى مجلس الأوقاف للحصول على الإذن في الشراء. بعدها يتولى الشراء وتسلم البضاعة بحضور الأمين أو العريف للتثبت من مطابقتها للنموذج الذي وقع عليه الاختيار.
أما فيما يخص شراء الدواب للأسبلة وعلفها، فيقع ذلك بواسطة عريف في محل بيعها بمعاينة أحد عوني القسم. كما يتولى أيضا طبع الدفاتر والوثائق الإدارية وتحرير كراس الشروط، وبذلك يستدعي أصحاب المطابع لاطلاعهم عليه وتقديم مطالب المناقصة. ويضع هذا القسم أدوات الكتابة والأثاث والمطبوعات ولوازم الشعائر بخزينة قسمه. ويسلم لمستودعي(2) قسم الإصلاحات مواد البناء المعدة لإصلاح وترميم الموقوف والموقوف عليه بالحاضرة وأحوازها، ويأخذ منها إبراء، ويوجه للنواب طبق مطالبهم مواد البناء المتعذر توريدها في جهاتهم.
ويتولى العدلان الإشهاد على ما يسلم أو يوجه من أدوات الكتابة والأثاث والمطبوعات إلى أقسام الإدارة والنيابات، وكذلك لوازم الشعائر إلى نظارها أو نقبائها بالحاضرة وأحوازها. كما يكلفان بتعمير الدفاتر وتحرير المراسلات والتقارير وطبع وثائق القسم.

---------------------
  (1) وذلك في فترة العشرينات من القرن العشرين.
(2)  مستودع بربض باب سويقة وآخر بربض باب الجزيرة.

-42-
هذا ويجب على رئيس قسم الشراءات أن يورد في الظروف المناسبة ما يكفيه للاستجابة للمطالب مدة ثلاثة أشهر، عدا ما يخشى فساده. ويجب عليه إحالة أصحاب البضائع المشتراة على قسم الحساب لإصدار حوالات لهم، وليس له تولي الدفع إلا فيما لا يمكن شراؤه إلا نقدا وحالا. وفي هذا السياق يقع تسجيلا ما بالإدارة من الأثاث والمواد على يد رئيس القسم وعدليه.
قسم النوازل:
كلّف هذا القسم منذ تأسيسه بجميع قضايا الحوز والاستحقاق. وفي بداية الأمر كانت المطالب المالية موكولة لعهدة وكلاء الأوقاف الذين تقاعسوا عن مباشرتها بأنفسهم وإحالتها على الأعوان المكلفين بالشؤون المالية. فنتج عن ذلك تأخر في سير النوازل وبالتالي تراكمها. أضف إلى ذلك التساهل في اختيار إنابة القاصرين، مما نجم عنه ضياع بعض الحقوق.
وأمام هذه السلبيات قررت إدارة الجمعية إعفاء وكلاء الأوقاف من مباشرة القضايا المالية وإحالتها على موظف مختص يتابع ما ينشر منها لدى المحكمة.
أما مهام هذا القسم فتتمثل أساسا في توليه قضايا المطالبة المالية على اختلاف أنواعها وأهميتها، وكذلك قضايا الحوز والاستحقاق والبيوعات لدى العدالة الشرعية والفرنسية، وقضايا التسجيل العقاري لدى المجلس المختلط، والتسجيلات وإبطالها بدفتر خانة (1)، وأخيرا فصل الخلافات بين الجمعية وغيرها من الهياكل والمؤسسات المعنية في مسائل التسويغ وغيره.
ويتركب هذا القسم من رئيس وكاهيته وأربعة عشر موظفا. ويتولى الرئيس سير إدارته بتوزيع العمل على الموظفين ومتابعته، والتفاوض مع مدير الأوقاف في المسائل ذات الأهمية أو التي لم يسبق معالجتها من قبل، مع مراعاة أنّ كل قضية تؤول إلى إسقاط حق الوقف بعضه أو كله يجب عرضها على مجلس إدارة الأوقاف.
أما دفاتر القسم التي يستعملها في مهامه فهي ثمانية دفاتر: الوارد، الصادر، الرسوم المسلمة للقسم، النوازل الشرعية، النوازل العدلية التونسية، النوازل العدلية الفرنسية، البيوعات والتسجيل العقاري.

وفيما يتعلّق بقضايا الحوز، يقوم وكيل من وكلاء الأوقاف بالحاضرة أو أحد نواب الجمعية بجهات القطر بإعلام الجمعية بأي تعد يقع على وقف من الأوقاف، ويقدم ملفا يشخص الأرض أو العقار المتعدي عليه ببيان اسمه وموقعه ومساحته وحدوده القديمة والحديثة وحقوقه ومنافعه وبيان اسم          ---------------------
(1)  دفتر خانة:

-43-
المتعدي وعنوانه، ونوعية التعدي وفترة وقوعه..وغيرها من المعلومات المفصلة ثم يحال الملف مدعوما بالحجة على المحكمة المعنية بالقضية حسب جنسية المتعدي.
أمّا في مسائل الاستحقاق، فيجب على الوكيل أو النائب تقديم تقرير توضيحي كما ادّعاه، وتأييد ذلك بالحجج، وعلى القسم تتبعها وإمداد القاضي بجميع ما يطلبه من الحجج والشهود عند الاقتضاء.
كما يتولى القسم أيضا مراقبة البيوعات لدى المحاكم ومتابعة الملفات مع القسم العقاري وقسم الهندسة وقسم الحساب وقسم الاستخلاص وقسم القباضة، وأخيرا قسم الخزينة، كل فيما يخصّه(1).

 – قسم الترجمة:
يقوم هذا القسم أساسا بترجمة المراسلات وكذلك الوثائق حسب الحاجة الداعية لذلك. وتوزع على المترجمين بعد تسلمها من رئيس القسم والاطلاع على فحواها كل حسب اختصاصه وتمكنه من المصطلحات والعبارات التي تميز وثيقة على أخرى نظرا لطبيعة موضوعها.
وينص الفصل الرابع من ترتيب هذا القسم على أنّه يجب على المترجمـين أن يشرعوا أولا بقراءة متأنية لنص الوثيقة خصوصا الفقرات التي طلب ترجمتها ثم يقوم المترجم بالبحث-في منجد اللغة العربية أو الفرنسية-عن ترجمة الكلمات أو المصطلحات التي لا يجد لها مرادفها في اللغة المطلوب أن تترجم إليها ولا حرج في أن يطلب المترجم من رئيسه أو محرر النص، المعنى المقصود من بعض المقاطع التي يجدون صعوبة أو شكا في ترجمتها الصحيحة، ولا بأس من توزيع الوثيقة أو المراسلة المترجمة على أكثر من مترجم حتى تتم مراجعتها وتصحيح ما علق بها من أخطاء.
وفي هذا السياق يجب على رئيس القسم إعادة مراجعة النص المترجم بكل دقة، وتسجيل ملاحظاته فيما يخص بعض العبارات بالفرنسية أو بالعربية.
وأخيرا وبعد المراجعة الدقيقة يضع رئيس القسم إمضاءه وتاريخ الترجمة تحت عبارة:
« Pour traduction certifiée conforme, le chef de bureau »
وبإمكان الإدارة أن تكلف رئيس القسم بترجمة بعض الوثائق ذات مصطلحات وعبارات صعبة أو سرية(2).

---------------------
(1)  كان ذلك بتاريخ 21 ذي القعدة 1326 هـ الموافق لـ 15 ديسمبر 1908.
(2)  كان تاريخ إنشاء هذا القسم بجمعية الأوقاف هو غرة جانفي سنة 1924.


-44-

– قسم الكتبة:
كان تنظيم العمل في هذا القسم وتوزيعه بين موظفيه على النحو التالي (1):
-      كاتب منشئا: اثنان.
-      كاتب مكلفا بدفتر الواردات وتحرير يومية المراسلات.
- كاتب مكلفا بدفتر الصادرات وبنسخ مراسلات الوزارة والمساعدة.
- على تضمين المراسلات بالدفاتر
-      عون مكلف بتنظيف المكاتب.
-      عون مكلف بنسخ يومية النوازل وبتنظيف المكاتيب أيضا.
-      عون مكلف بإحضار المكاتيب الصادرة، وجمع مكاتيب اليوميات ثم تسليمها لخزينة إدارة الأوقاف.

قسم الاستخلاص:
نظرا إلى أنّه لوحظ تقاعس وخلل من طرف الوكلاء والمكلفين بالخلاص، حيث لم يقوموا بواجبهم على ماهو مطلوب، قررت الجمعية إحداث قسم للاستخلاص يشرف عليه مدير الأوقاف رأسا. ويتمثل مهام هذا القسم في المراقبة الفعلية على خلاص أموال الأوقاف العامة والخاصة التي تشرف عليها الجمعية. فيجب على وكلاء أوقاف الحاضرة العامة منها والخاصة أن يقدموا لقسم الاستخلاص عن كل شهر قائمة فيما جد خلاصه أو عدمه، وفي الصورة الثانية (عدم الخلاص) يذكرون أسباب ذلك وما قاموا به من إجراءات. كما يجب على الأعوان المكلفين بمقابيض أوقاف الحاضرة (الخلاصة) أن يكونوا تحت طلب قسم الاستخلاص للاستعانة بهم في تبليغ التنبيه للمطلوبين، ولإمداده بالإرشادات المعينة له على الخلاص(2). ويحال على قسم الاستخلاص تقارير التفقد لتنفيذ ما تقرره الجمعية في مسألة الاستخلاص وتصفية البقايا وغير ذلك مما له (علاقة) بالخلاص(3)
        قسم الشعائر:
وهو من أهمّ أقسام الجمعية نظرا للصبغة الدينية التي طبعت نشاطها. وكماجاء في ديباجة ترتيب هذا القسم: "أنّ الشعائر هي أعمال العبادة        بالمعاهد الدينية (وهي الجوامع والمساجد والزوايا...) وتحتاج إقامتها إلى (موظفين) ولوازم، وعلى البعض منها أوقاف. لكن لما تأسست الجمعية تولت بنفسها إقامة هذه الشعائر بكافة المؤسسات الدينية بالحاضرة والآفاق عدا ما
 (1)  وقع العمل بتراتيب قسم النوازل، ابتداء من غرة مارس سنة 1925 (المرجع السابق).
(2)  من الفصل الرابع من تراتيب قسم الاستخلاص بجمعية الأوقاف (التراتيب، كرطونة عدد 1، دوسي 71، قسم الاستخلاص).
(3)  من الفصل السابع (المرجع السابق). هذا وقد تمّ ضبط تراتيب هذا القسم في شهر رمضان 1341 هـ وفي شهر أفريل 1923م.
-45-

كان له منها وقف خاص أو على نفقة أهالي الجهة. وقد وزّعت أوقاف الشعائر على وكلائها، فتولى الوكيل الصرف على الشعائر من مرتبات وعوائد ولوازم. لكن تبيّن فيما بعد، ظهور إخلالات فادحة من طرف بعض الوكلاء.

     ولتدارك الوضع ، كلفت الجمعية اللجنة المـالية بوضع قوانين ضـابطة تيسر المراقبة وتحقق الأهداف المرجوة.
 فكان إنشاء قسم للشعائر بتولي إدارة شؤون الشعائر طبق ترتيب ينظم نشاطها. وتتمثل مهام هذا القسم أساسا في ضبط عدد المؤسسات الدينية المختلفة وشعائرها، وأثاث ماهو فيها على نفقة الجمعية، وأسماء ورواتب أرباب الشعائر بالحاضرة وأحوازها، وإنشاء ملفات لما كان منها بالحاضرة وأحوازها وإرشاد النواب لتكوين مثلها بنياباتهم. كما يتولى القسم مباشرة دفع رواتب أرباب الشعائر بالحاضرة وأحوازها، ولذلك دفع أثمان ما لا يعطى عينا من لوازم الشعائر، إلى جانب توزيع الصدقات بالحاضرة ومتابعة ما يوزع منها بالجهات الأخرى من القطر.

أما إدارة هذا القسم فتتركب من:
رئيس يتولى الإشراف والمتابعة لمختلف دفاتر القسم(1) ويستقي معلوماته إما من الوكلاء بالحاضرة أو من نواب الجمعية: جهات القطر. ويقوم بإعداد الأذون لقسم الشراءات في إعطاء لوازم الشعائر.
ومن مهامه أيضا دفع المرتبات لأرباب الشعائر، وتوزيع الصدقات في المواسم تحت إشراف رئيس الجمعية أو نائبه بحضور المدير أو نائبه وفي غير المواسم طبق إذن الرئيس والمدير. كما يكلف بتسجيل ومراقبة أعمال النواب في شأنها. وأخيرا يتولى تحرير المراسلات والتقارير. وعدلان يتوليان كتابة الدفاتر طبق المعلومات التي ثبتت صحتها لدى رئيس القسم، وكذلك الإشهاد على دفع المرتبات، وتوزيع الصدقات، وتحرير قائمات مفصلة في ذلك لقسم الحساب، وبطاقات الأذون لقسم الشراءات فيما يجب توفيره من لوازم الشعائر وتسجيلها بدفتر لوازم الشعائر...


---------------------
(1)   دفاتر قسم الشعائر هي: دفتر للمؤسسات الدينية وللوظائف (إمام، قراء، أعوان حراسة وتنظيف،...)، دفتر لأثاثها، دفتر للوازم الشعائر وعوائد بعض أربابها عينا أو قيمة، دفتر لأرباب الشعائر ومرتباتهم، ودفتر مقتطع للأذون لقسم الشراءات بتسليم لوازم الشعائر ومرتباتهم، ودفتر مقتطع للأذون لقسم الشراءات بتسليم لوازم الشعائر، إضافة إلى ملفات المؤسسات الدينية.
-46-


هذا وقد بيّن ترتيب قسم الشعائر بجمعية الأوقاف، تفاصيل تنظيم وتنفيذ نشاطه مثل كيفية إعطاء اللوازم ودفع المرتبات والصدقات(1).

 قسم تنمية المداخيل (2):
       للحد من تدهور وضعها المالي سعت الجمعية إلى الاقتصاد في المصاريف والبرمجة لتنمية مداخيلها مـن خلال مشاريع ذات مردود مالي ،
مع مواصلة الدفاع عن حقوق الوقف واسترجاع ممتلكات استولت عليها أيدي
العابثين كما حدث ذلك لأوقاف كثيرة من أوقاف عزيزة عثمانة التي كادت أن تضمحل.
كما بادرت الجمعية بإعطاء مغارسات بأخصب أراض الوطن القبلي..ووقع الاجتهاد أيضا في حفر الكثير من الآبار بأراض الوقف بأحواز الحاضرة، وغيرها من الأساليب التي أتت أكلها في ميدان الغراسة وزارعة الخضر. كما زيد الاعتناء بحرث الزياتين وزبرها وحفظها من الإهمال بمختلف أنواعه. وصرفت مجهودات لضبط أراض فلاحية تابعة للوقف بالقيروان، ومطالبة نزلائه (من الإنزال) بما هو متخلد بذمتهم من الأموال الطائلة.
وبناء على توفر جانب مهم من أموال المعاوضات، فقد قرر مجلس إدارة جمعية الأوقاف اقتناء بعض الزياتين، وكذلك بعض الأراضي الصالحة للغراسة حتى يقع استغلالها على الوجه الأكمل وتوفر بالتالي مداخيل إضافية تقوم مقام مداخيل ما وقع تفويته من الأحباس المختلفة الأسباب. وهذه السياسة التي انتهجتها الجمعية تهدف إلى المحافظة على ثورة الأوقاف وتنميتها.
وقد أثبتت التجربة أيضا أنّ عمليات الإشهار سواء كان للإنزال أو الكراء أو المعاوضة أتت بفوائدة جمة ذات أهمية كبيرة لصالح مداخيل الجمعية وتوازن ميزانيتها التي طالما عانت من تراجع مستمر انعكس سلبا على ثروة الأوقاف بمختلف أنواعها لذا كانت مسألة تنظيم وتقنين تنمية الدخل للأوقاف، الشغل الشاغل لأعضاء الجمعية الذين بذلوا جهودا كبيرة في ذلك شجّعت نتائجها على إحداث " قسم لتنمية المداخيل " يشرف عليه رئيس القسم وكاتب ومتفقّدو الزياتين.
قسم الإشهار:
وفي نفس التمشي وحرصا على نمو دخل الوقف كذلك وتعزيزا لدور قسم تنمية المداخيل، قامت الجمعية بتنظيم وتطوير عمليات الإشهار بإشراف ومراقبة ومتابعة قسم خاص بهذا النشاط أطلق عليه " قسم الإشهار" الـذي
---------------------
(1)   من الملاحظ أنّ هذا الترتيب ضمّ ثمانية فصول، جرى العمل بها ابتداء من غرة جانفي 1925 م.
(2)   وقع إحداث قسم تنمية المداخيل بجمعية الأوقاف بقرار مؤرخ في 04 ذي القعدة 1368هـ وفي 27أوت سنة 1949م.

-47-
يعطي أوامر إلى نواب الجمعية لحصر قائمات فيما سيعرض للإشهار من "الهناشير والأراضي" الراجعة للأوقاف العامة والخاصة، مع احترام الآجال لذلك وإرسالها إلى الجمعية تامة المعلومات وممضاة منهم. إذ يجب أن يشمل كل فصل من القائمتين (أي الأراضي والعقارات) على أدق الإرشادات وذلك مثل : اسم العقار، وجهة وقفيته ومقدار كرائه في العام الفارط أو ما يمكن به
افتتاحه في البتة، وموقعه ومكان التبتيت، وكذلك التنصيص على مدة التسويغ مع الإشارة إلى أنّ العقار مطلوب للإنزال أو المعاوضة أو لا.
ثم يقع تعيين أيام البتة بحسب ما يناسب الحصة.. كل ذلك إذا كانت المساحة المعنية فوق الماشية " (1) أما إذا كانت ماشية فما دون ذلك فإنّ نواب الجمعية يستمرون في تسويغ العقار بالجهة بعد إشهاره لديهم حسب العادة المألوفة..

هذا إلى جانب " قسم الإصلاح " بجمعية الأوقاف الذي أفردنا له فصلا خاصا به- كما أشرنا إليه آنفا- نظرا لارتباط نشاطه مباشرة بصيانة المعالم والمحافظة عليها، وهو موضوع بحثنا.

كما أشير أيضا إلى أنّ إدارة جمعية الأوقاف - إضافة إلى الأقسام      الاثنا عشر التي تم إنشاؤها على مراحل عدة زمنيا(2) عززت هيكلتها وأطرها القانونية والتنظيمية بجملة من الأوامر والمناشير والقوانين المكملة والمؤيدة لترتيبات أقسامها. من ذلك :
    - ترتيب مراقبة الموظفين.
-        ضبط مهة أعضاء مجلس إدارة الأوقاف بشكل واضح ودقيق.
-        ضبط مهمة رئيس مجلس الإدارة ومدير الجمعية.
-        ترتيب مهام التفقد والتنفيذ.
   - تنظيم وضبط عمليات المعاوضة والإنزال على الأوقاف الخاصة.
-        ضبط المراسلات الواردة.
-        مهام وكيل الزياتين والأراضي.
-        إنشاء دفتر لضبط رسوم الأوقاف.
-        تنظيم خزنة الدفاتر وإحداث دفتر إحصاء لها.
----------------------
 (1)  إ.ج.أ، التراتيب، كرطونة عدد 1، دوسي عدد 59، الموضوع: تراتيب أقسام الإدارة 1905 1941.
 (2)  الماشية: هي المساحة من الأرض التي يحرثها الرجل الواحد في السنة الواحدة على الحيوانات المناسبة بحسب كل جهة،   وبذرها.

-48-













-10